جاري التحميل

إبراهيم اليازجي

الأعلام

إبراهيم اليازجي([1])

العلامة العبقري المرحوم إبراهيم اليازجي

(1848 ـ 1906م)

أصله ونشأته: إن أسرة اليازجي حمصية الأصل؛ هاجر منها أحد أجداد آل اليازجي سنة 1690م واستوطن قرية كفر شيما في لبنان، ودخل بعضهم في خدمة الدولة العثمانية كاتباً، فتكنت الأسرة باسم اليازجي؛ أي: الكاتب.

ولد هذا العبقري في بيروت سنة 1263ﻫ ـ 1848م، وكان أبوه الشيخ ناصيف اليازجي من أعلام الأدب والشعر ورجال النهضة العربية الأولى، تخرج إبراهيم على أبيه في العلوم العربية، وحفظ القرآن في صباه، ومن حفظه انقادت إليه نواحي البلاغة والبيان، وأخذ الفقه الحنفي عن الأستاذ محيي الدين اليافي، وأولع بالرسم والحفر والنقش، وامتاز بجمال خطه.

علمه ومآثره: تعلم اللغة الفرنسية والإنكليزية، وألم بطرف من اللغة الألمانية، انضم في أول شبابه إلى الجمعية العلمية السورية، ثم تولى تحرير جريدة النجاح، فحبر المقالات وأنشد القصائد، فكانت هذه الجمعية وهذه الجريدة مدرسته الأولى في البيان والصحافة، وعهد إليه الآباء اليسوعيون بتقويم ترجمة الأسفار المقدسة،فقضى ثماني سنين، واضطرته معارضته الترجمة على التبحر في بعض اللغات السامية ولاسيما العبرانية والسريانية، وقد ألَّف في العبرانية كتاب نحو وصرف نسج فيه على منوال النحو العربي وصرفه.

كان رحمه الله خلفاً لأبيه، فعلَّم في المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت، وتخرجت على يده طائفة من الأدباء كان لهم منزلة رفيعة في ميدان الأدب، واشتغل في الصحافة وحرر في مجلات الطبيب والبيان والضياء، وهاجر إلى مصر فظهرت مواهبه، ومن أبحاثه المتسلسلة استخرج كتباً مستقلة مثل: لغة الجرائد، وأمالي لغوية، أغلاط العرب، أغلاط المولدين، اللغة العامية واللغة الفصحى، اللغة والعصر، أغلاط لسان العرب، المجاز، الشعر، التعريب، العلوم عند العرب، ومن كتبه نجعة الرائد في المترادف والمتوارد، ومنها اختصار أو تصحيح بعض كتب والده؛ كمختصر «نار القرى» و«مختصر الجمانة»، وشرح ديوان المتنبي سماه «العرف الطيب»، وصحح الشيخ كتباً كثيرة، ومنها «تاريخ بابل وآشور»، و«نفح الأزهار»، و«دليل الهائم»، و«نخب الملح»، و«العقود الدرية» في شرح شواهد المختصر، و«رسالة الغفران» للمعري، و«الفرائد الدرية»، وهو معجم عربي فرنسي، و«الدرة اليتيمة» لشكيب أرسلان، ومعجم «أعزب الموارد» للشرتوني، و«محيط المحيط» للبستاني وسماه الحواشي، وصرف شطراً من حياته في تأليف معجم سماه «الفرائد الحسان من قلائد اللسان»، أولع الشيخ ببلاغة القرآن، وقد روى تلميذه الشاعر الكبير خليل مطران أنه كثيراً ما كان يقول لتلاميذه إذا تصدوا للكتابة ونشر المقالات أن يستشهدوا بآيات القرآن ليكون بها رونق لما يكتبون، أو ما هذا معناه! فمن كان هذا اعتقاده لا يعقل أن يطعن ببلاغة القرآن الكريم وفصاحته على ما اتهمه بذلك بعض الطوائف من أنه عارض القرآن وحط من شأنه في رسالة له نحلته إياها، وما هي إلا من أقلام بعض دعاتهم، ومع ذلك فإن صح هذا الزعم المستبعد فليته كان حيًّا ليرى ما فعل العلامة اللغوي الأستاذ سليم الجندي بمعجمه اللغوي، وعند العالم السيد انستاس الكرملي والمجامع العلمية العربية الخبر اليقين، ﴿ ﯖ    ﴾.

شعره: لم ينصرف المترجم رحمه الله إلى الشعر انصرافه للنثر، ولذلك يعد من المقلين منه، وقد استخدمه في أغراض اجتماعية على الأغلب، ومن شعره الوطني الحماسي قوله:

وما العرب الكرام سوى نصال

لها في أجفن العليا مقام

لعمرك نحن مصدر كل فضل

وعن آثارنا أخذ الأنام

ونحن أولو المآثر من قديم

وإن جحدت مآثرنا اللئام

ومن قصائده المشهورة التي هاجم بها رجال الدين قوله:

دع مجلس الغيد الأوانس

وهوى لواحظها النواعس

ومنها:

فالشر كل الشر ما

بين العمائم والقلانس

والخير كل الخير في

هدم الجوامع والكنائس

ليسوا رجال الله فيكم

بل هم القوم الأبالس

وقال في الأتراك:

فالترك قوم لا يفو

ز لديهم إلا المشاكس

أولستم العرب الكرا

م ومن هم الشم المعاطس

فاستوقدوا لقتالهم

ناراً تروع كل قابس

ومثلها قصيدته:

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب

فقد طما الخطب حتى غاصت الركب

فيم التعلل بالآمال تخدعكم

وأنتم بين راحات القنا سلب

كم تظلمون ولستم تشتكون وكم

تستغضبون فلا يبدو لكم غضب

وهذه القصائد تشهد بأنه كان حرًّا يدعو إلى الحرية وعربيًّا يبكي لمجد العرب، وكان رحمه الله لا يجاهر بدعوته ولا يطمع في الظهور والتمجيد، ويتقي شر الأتراك وبطشهم.

وحن إلى حمص وفيها ذكريات مضى عهد أجداده فيها فقال:

وسقى الله أرض حمص وحيت

نفحات الرضا خصيب ثراها

هي فردوسي القديم ومنها

ثمرات الحياة كان جناها

أوصافه: كان رحمه الله على جانب عظيم من الوقار، تقرأ في محياه جلال العلم وجمال الأدب، عاش عزيز النفس مقلًّا متقشفاً، خدم لغة القرآن خدمة لم يوفق إلى أكثر منها علماء الإسلام، لم يتزوج ولم يعرف سعادة البيوت وعطف الولد، وفي سنة 1324ﻫ ـ 1906م انتقل إلى رحمة ربه، وكافأته الجالية السورية في البرازيل بعد وفاته بأن صنعت له تمثالاً نصب في إحدى ساحات بيرون، رحمه الله بقدر ما أحسن بمآثره إلى العرب.

*  *  *

 



([1])   (أ) (1/ 45 ـ 46) و(2/283).

الأعلام