جاري التحميل

أحمد شوقي

الأعلام

أحمد شوقي([1])

(1868 ـ 1932م)

مولده: هو أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي بك، ينتهي نسبه إلى الأكراد من جهة أبيه، وإلى الأتراك من جهة أمه، ولد في القاهرة سنة 1868م، وكان أبوه مبذراً متلافاً، أضاع ما يملكه، فكفلته (غزار) جدته لوالدته وهو في المهد، وكانتمن وصائف دار الإمارة الخديوية في عهد إسماعيل باشا.

تحصيله: تلقى دراسته الابتدائية، وطلب الحقوق ونال الإجازة، ثم أوفده الخديوي توفيق إلى فرنسا، وأكمل دراسة الحقوق والآداب الفرنسية، فعاد إلى مصر سنة 1891م، وكان يتقن اللغات العربية والفرنسية والتركية، ورحل في سني دراساته إلى إنكلترا والجزائر، واختاره الخديوي عباس باشا، فأصبح شاعر الأمير، ذا نفوذ وجاه.

زواجه: اقترن وهو فتى في العقد الثالث، وحملت إليه زوجه ثروة ضخمة عن أبيها، فأصبح من كبار الموسرين، ورزق ثلاثة أولاد.

نفيه: ولما نشبت الحرب العالمية الأولى خلعت بريطانيا الخديوي عباس باشا لاتصاله بالأتراك، وأبعدت شاعره عن مصر، فأمَّ الأندلس واتخذ برشلونة سكناً له.

وفي أواخر سنة 1919م عاد شوقي إلى مصر، فابتعد عن قصر عابدين وفي نفسه ما فيها من ذكريات العهد الماضي، فانصرف إلى العمل المنتج، فنظم وألَّف، ولم تفتر همته على كبر السن وإيذان الشمس بالغروب.

وكان في كل صيف يقصد الأستانة أو بعض مصايف أوروبا حتى سنة 1925م، فإنه اقتصر على الاصطياف في لبنان.

أمير الشعراء: وفي سنة 1927م عقد مهرجان كبير لتكريمه في دار الأوبرا الملكية، فجاءت وفود الأدب من جميع الأقطار العربية وبايعته بإمارة الشعر.

مواهبه: نظم الشعر وهو طفل، ودرس اللغة العربية على الأستاذ النابغة (المرصيفي) صاحب الوسيلة، حتى استقام له ميزان الشعر بين العشرين والخامسة والعشرين، وعرفه الناس في هذه السن، كان شديد الاعتداد بشاعريته، مفاخراً بها، يحب الثناء ويضيق بالنقد، وكان يداري أصحاب الصحف ويكثر من زيارتهم ليجملوا القول فيه.

كان ينظم الشعر في كل مكان، وأشد ما يكون ارتياحاً إلى النظم بعد منتصف الليل، يحفظ شعره ولا يمليه على كاتبه إلا جملة أبيات غير ناس شيئاً منها.

آثاره: لم يقم عند العرب شاعر أكثر إنتاجاً من شوقي، فقد أخرج ديوانه المطبوع وهو في الثلاثين من عمره، ومات وهو على أشد ما يكون نشاطاً إلى العمل، فكانت أواخر سنيه أخصب أيام حياته، ولم تقتصر آثاره على الشعر وإنما تجاوزته إلى النثر، وقد طبع معظمها وبقي أقلها لم يطبع، وقد فتح في الأدب العربي فتحاً جديداً برواياته التمثيلية، فالمطبوع من مؤلفاته الشعرية هي: 1 ـ الجزءالأول من الشوقيات. 2 ـ الجزء الثاني. ومن القصص التمثيلية: 3 ـ مصرع كليوباترا. 4 ـ مجنون ليلى. 5 ـ قمبيز. 6 ـ علي بك الكبير.7 ـ عنترة. 8 ـ كتاب دول العرب وعظماء الإسلام، نشر بعد موته. 9 ـالجزء الثالث من الشوقيات. 10 ـ أميرة الأندلس. 11 ـ قصة تمثيلية. 12 ـأسواق الذهب، ومقالات اجتماعية أكثرها مسجع بادي التكلف.

وتطرق في شعره إلى التاريخ والسياسة، فجاء شعره وفنه صوراً متناقضة لوجوه السياسة المتناقضة التي تقلب في أحضانها، وامتزج شعره الاجتماعي بشعره السياسي والتاريخي، وكان للدين أثر قوي في شعره اصطبغت به شتى قصائده، كنهج البردة والهمزية النبوية في مدح الرسول الأعظم، وفتح للوصف باباً رحباً في شعره.

أما شعره الغزلي فلم يبرع به كبراعته في غيره من الأغراض، لأن الغزل من الوجدانيات التي ينبغي للشاعر أن يحس بتأثيرها في نفسه، فإن لم يكن لألم الحب من سلطان على قلبه، فهيهات أن يأتي بغزل عاطفي صادق من اللوعة، وشوقي لم يكن من المتيمين المتألمين، ولا من العشاق الروحانيين، وهو في غزله مقلد متكلف يتمثل البهاء زهير في سهولة ألفاظه ولين تعابيره وخفة أوزانه.

كان يأسف أن يتخذ الشعر حرفة لكسب المادة، وقد أعرب عن هذا الرأي في مقدمة ديوانه الأول، ونعى على الشعراء الذين يضيعون شعرهم بالمديح، ولكنه اعترف واعتذر بأنه قرع أبواب الشعر واصطنع المديح باعتباره شاعر الأمير، وشاعريته مقيدة مرهونة بالمديح، وفيها حظوة ورزق واسع.

مواهبه: هو الشاعر الذي بعثه الله نعمة عظمى أسبغها على أبناء العربية جميعاً، لقد استحدث شوقي في العربية صيغاً أوفت على الغاية من حلاوة اللفظ ومتانة النسج وقوة الإشراق، وأحسب أن قوة المعاني هي التي أرادته على هذا ودفعته إليه دفعاً، تقرأ شعره فتتعاظمك هذه الكثرة من فاخر الشعر وبارع الصنعة ورائع البيان، وقد قام برحلات كثيرة ورأى من صور الطبيعة ومن بدائعها ما لم تتهيأ رؤيته لغيره، وقرأ لأئمة البيان الغرب ما لا يكاد يملكه الإحصاء، ولقد أساغ ما استعار، واستطاعت شاعريته الفخمة أن تجلو منه ما شاء أن يجلو عربيًّا خالصاً، وهذه دواوينه تزخر بهذه البدائع زخراً، وأتى بالجوهر الرائع من حر الكلام.

كان يطيل أحياناً كثيرة في القصائد إطالة يحتاج معها إلى الكد في التماس القوافي، فأية قوة بدنية هذه التي احتملت كل هذا المجهود الفكري؟!

أما الهجاء فلم يؤثر عنه فيه بيت واحد، ولعل ذلك يعود إلى لطف نفسه وأنفته وعقيدته أن الزمان سيعفي على هذا الضرب الحقير من الشعر، ولو عالجه لبرع فيه، على أن الله تعالى كان ألطف به من أن يدليه في هذا الهوان.

قصائده الخالدة: لقد أصبح شعره إرث الخلود ونشيد البقاء، فقد احتفت دمشق بأمير الشعراء في الأول من شهر آب سنة 1925م، وازدحمت قاعات المجمـع العلمي العربـي وباحاتـه، واعتلى المنبر الأسـتاذ نجيب الريس صاحب جريدة القبس فناب عنه في إلقاء قصيدته الخالدة، وضج الحفل طالباً أن يرى الشاعر، فوقف إلى جانب الريس حتى أتم إلقاء القصيدة التي كانت من روائع نفثاته، وقد طوق بها جيد دمشق على كر الدهور، ومطلعها:

قم ناج جلق وأنشد رسم من بانوا

مشت على الرسم أحداث وأزمان

على فراش الموت: ويتجلى في هذه الخريدة الفريدة ماضي العروبة والإسلام، وما فيهما من مجد وعظمة وحضارة وإبداع.

ولما قال شوقي في رثاء حافظ إبراهيم:

قد كنت أرجو أن تقول رثائي

يا منصف الموتى من الأحياء

قال أصحابه: لقد آذنت شمس الأمير أن تغيب، ومضت ثلاثة وثمانون يوماً بعد وفاة حافظ إبراهيم، وفي صبيحة اليوم الرابع والثمانين ـ وهو يوم 13 تشرين الأول سنة 1932م ـ طوى الردى أمير الشعراء، وانطفأ هذا النور العبقري الذي تألق أربعين عاماً في سماء آدابها، فأعاد للشعر عصره الذهبي في قرنه الثالثوالرابع، وكان عاملاً من أنشط العاملين في تقدم النهضة الأدبية، وكانت ميزته البارزة أنه كلما تقدمت سنه تقدم شعره وسمت مواهبه، فقد كان يعمل إلى آخر يوم من عمره، وقد نصحه طبيبه كثيراً بالكف عن العمل والإنتاج، ولكن العمل الأدبي له طبيعة، والإنتاج الشعري له ديدن، وقد استمر أكثر حياته يسهر الليل كاملاً، واعتاد أن لا يطالع أو ينظم إلا بعد نصف الليل، فكان ذلك سبباً من أسباب ضعف جسمه والتعجيل بآخرته وهو في الواحدة والستين.

آخر قصيدة له: ومما يبعث الأسى أن آخر قصيدة له قالها أنشدت صبيحة يوم وفاته، فقد احتفلت جمعية القرش بافتتاح بناء مصح الطرابيش، ونظم قصيدته لتلقى في هذا الاحتفال، وفي الساعة العاشرة أثناء الاحتفال وصل نبأ وفاته، فكتم أعضاء الجمعية النبأ، ولما أتى دور قصيدة أمير الشعراء، وقف الأستاذ عبد الله أباظة فألقاها، وقد جاء فيها:

الملك بالمال والرجال

لم يبق ملك بغير مال

والمال ركن الشعوب يأوي

إليه في السلم والقتال

يا عصبة القرش قد صنعتم

ما لم يقع قبلكم ببال

يوم وفاته: وكان شوقي يوم وفاته أحسن ما يكون صحة، وفي منتصف الساعة الثانية صباحاً شعر بآلام في جسمه وضيق في نفسه، فأيقظ الخادم وطلب إليه أن يقوم له بإسعاف خاص بالتصلب الشرياني، وهو المرض الذي اعتراه في شيخوخته، ولكن لم يفده هذا الإسعاف، فاستدعى الدكتور جلاد وأيقظ حرمه ونجله، فوجدوه في النزع الأخير، وما كاد الدكتور جلاد يصل إلى مضجعه حتى كان شوقي قد أسلم الروح إلى بارئها، وتولت وزارة المعارف المصرية حفلة الأربعين لتأبينه، فدعت إليها البلاد العربية، فلبتها برسلها من أهل الشعر والخطابة.

ومن شعره بعنوان (على قبري) قال :

أقول لهم في ساعة الدفن خففوا

علي ولا تلقوا الصخور على قبري

ألم يكف همٌّ في الحياة حملته

فأحمل بعد الموت صخراً على صخر

*  *  *

 



([1])   (أ) (2/ 457 ـ 459).

الأعلام