جاري التحميل

أحمد فارس الشدياق

الأعلام

أحمد فارس الشدياق([1])

علامة زمانه المرحوم أحمد فارس الشدياق

إن صح أن النهضة الأدبية العربية قد ذر قرنها في أوائل القرن الماضي فقد كان ذلك على يد أفراد قلائل من نوابغ الأمة هيهات أن يأتي الزمان بأمثالهم كالكواكبي والبستاني والشدياق، والمشايخ الأسير والأحدب واليازجي، والطويراني، وقد كان أسبق هؤلاء وأعلاهم كعباً، وأمضاهم سلاحاً، وأبعدهم شأواً، وأكثرهم إقداماً وحزماً وهمة الشدياق، في زمن قلَّ فيه المتعلمون، وجهل الناس قدر العلم، فعانى من الكساد ما كاد يمحى به أثره، حتى قال المترجم رحمه الله:

تأليف زيد وهند في زمانك ذا

أشهى إلى الناس من تأليف سفرين

ودرس ثورين قد شدا إلى قرن

أقنى وأنفع من تدريس حبرين

وقال أيضاً:

طبخ المحاشي رائج في عصرنا

لكنما طبخ القوافي كاسد

من أجل ذلك صرت طباخاً فما

أنا شاعر فالشعر شيء فاسد

ولد المرحوم أحمد فارس الشدياق في قرية عشقوت من لبنان عام 1804م من والدين مسيحيين، وتلقى العلم على أخيه الأكبر أسعد الذي كان من رجال الكهنوت، واختلف مع رئيسه في رأي جره إلى الموت خنقاً كما يذكر المترجم، ولعل هذا العمل هو الذي حدا بالمرحوم أن يعادي رجال الكهنوت ويعتنق الإسلام، ويكرس كثيراً من أقواله وتآليفه انتصاراً لأخيه وأستاذه.

كان المترجم رحمه الله على ذكاء عظيم ضاق به المحيط الذي عاش في حدوده، وكان يهوى المطالعة، ويعمل الفكر كثيراً فيما يطالعه، فيمحصه وينقده، ويفرق بين غثه وسمينه، وساعده على ذلك وجود مكتبة قيمة عند أبيه زاخرة بأنفس الكتب العلمية، فتعمق باللغة تعمقاً أوقفه على مصادرها وأسرارها، فصار فارس ميدانها في ذلك العهد.

سفره إلى مصر ومالطة ولندن: ضاق بالمترجم المحيط على رحبه بعد فقد أبيه وأخيه فعول على الهجرة إلى مصر، فقد كانت أوسع مجالًا لأمثاله، فاتصل بعلمائها وأدبائها، واحترف فيها تصحيح الكتب، فنال شهرة واسعة، ولا غرو، فقد كانت مصر مهد النهضة وكعبة العلم التي يحج إليها الناطقون بالضاد.

ووصلت شهرته إلى جمعية التوراة الأميريكية في جزيرة مالطة، فاستدعته وعهدت إليه بتصحيح مطبوعاتها، فأجاب دعوتها.

كذلك جمعية التوراة في لندن، فإنها لما رأت زميلتها تستدعي المترجم وتستفيد من مواهبه وعلمه الواسع استدعته أيضاً فلبى، أما هو فلم يأت على ذكر هذه المهمات إلا تلميحاً.

سفره إلى باريس: ثم سافر إلى باريس وقابل فيها باي تونس الذي أعجب كثيراً بعلمه وأدبه وفصاحته وبلاغته، فدعاه لزيارة بلاده والعمل في بلاطه ليستفيد من مواهبه وسعة علمه، فلبى الدعوة، وكان فيها موضع الحفاوة والتكريم، حتى قال في قصيدته الحرفية:

فتونس منها وهي تونس غبطة

وبين المقامين اتحاد وتجنيس

وفي باريس قد طبع كتاب (الساق على الساق فيما هو الفارياق)، والفارياق كلمة نحتها من اسمه (فار) وأضاف إليها آخر كنيته (ياق)، والكتاب المذكور ألف على طريقة علمية هزلية جدية، وفيه من المترادفات وشوراد اللغة وأوابدها ما يجعل القارئ لا يترك حرفاً منه قبل نهايته، وقد صاغها بين حوادث ونكات وانتقاد وأخلاق وعادات، وجاء في مقدمته:

قد أنبتت غضراء أرض سطوره

روضاً وجنات تروق وريفا

فنشم منها عرف كل ربحلة

دهساء يفتن حسنها الغطريفا

وترى الملعظة الشناط بجبنها

والفارض القرطاس والسرعوفا

ووراءها وأمامها مرمورة

وغرانق ما إن تزال ألوفا

فإذا عجزت عن المؤونة واستقلـ

ـت وجدت في أعطافهن الهيفا

فاختر هداك الله ما تهوى ولا

تتراخ عن أن تدرك الحرنوفا

وله عفا الله عنه قصيدتان في مدح باريس وذمها، هما آيتان في البلاغة، فقد قال في المدح:

أذي جنة في الأرض أم هي باريس

ملائكة سكانها أم طواويس

وهل حور عين في منازهها ترى

وإلا فكل حين تخطر بلقيس

وقال في الهجو:

أذي عبقر في الأرض أم هي باريس

زبانية سكانها أم فرنسيس

وهل ذي نساء في مواحلها ترى

وإلا فكل حين تخطر جاموس

استدعاؤه إلى الأستانة: وذاعت شهرته في الخافقين، كما انبثق في الفضاء نور النيربين، فدعاه جلالة السلطان إلى الأستانة وأكرم مثواه وعهد إليه بتصحيح لغة قوانين الدولة وطبعها، وساعده على تأسيس مطبعة طبعت مئات من الكتب العربية التي لولا همة المترجم رحمه الله لما سمع بها أبناء الضاد، ولا عرفوا عنها شيئاً، وأصدر في الأستانة جريدة «الجوائب»، وقيل: إنها أول صحيفة عربية صدرت وسميت (جريدة).

ومن يعرف تأخر الطباعة في ذلك العصر وقلة مواد وأوائل الطباعة يدرك ما عاناه فوق البحث والتمحيص والإنشاء والتأليف، فمطبعة الجوائب طبعت كثيراً من الكتب النادرة وحفظت تراثاً للعرب، ولولاها لاندرست سير جهابذة من أئمة البلاغة والأدب، وكثير من العلماء والعظماء.

وعالج في جريدة الجوائب بيراعه الجريء البليغ مواضيع سياسية وأدبية واجتماعية، فكان كبراء الرجال يتهافتون على التعرف عليه ويخطبون وده، ويقدرونه حق قدره.

عاد إلى مصر: وكانت مصر آنئذ مركز النهضة العربية، نظم الإنكليز فيها كل شيء لخطة اختطوها للقضاء على الخلافة الإسلامية ومهاجمتها، فاضطرت الدولة العثمانية لبناء خط دفاع في مصر، فأوفدت الطويراني والشدياق إليها، فانتقلت الجوائب إلى مصر، فقام المترجم بأعمال عظيمة، منها طبعه القاموس الكبير وتصحيحه، وظهرت الجوائب ترفل في حلل البلاغة والازدهار إلى أن أقعدت المترجم الشيخوخة،فعهد إلى ولده بإدارة شؤونها.

واختطت السياسة الإنكليزية خطة للتخلص من الصحف المعارضة كالمؤيد واللواء وثمرات الحياة والجوائب، فدست أعوانها لشراء امتيازاتها بالمال، ثم ألغتها وقضت عليها، فانقطعت الجوائب عن الصدور عام 1884م بعد أن استمرت في جهادها وخدمتها نحو ثلاثين عاماً، وكان لصاحبها ومطبعته فضل عظيم في نشر لواء الثقافة والأدب بما طبعه من كتب عربية نادرة أحياها بعد موتها.

مؤلفاته: ألف المترجم غير الذي عني بطبعه مؤلفات كثيرة متنوعة في الشـعر والأدب، أشـهرها (سـر اللآل في القلب والإبدال)، وهو كتاب لغوي، و(الساق على الساق فيما هو الفارياق)، و(الجاسوس على القاموس)، وفيه انتقادات لقاموس الفيروزأبادي المعروف بالقاموس المحيط، و(كشف المخبا عن فنون أوروبا)، وصف فيه رحلاته وأخلاق القوم وعاداتهم.

وفاته: وافاه أجله المحتوم في الأستانة عام 1887م، وقد نقل جثمانه إلى بيروت ودفن في الحازمية، وشيعه جلالة السلطان عبد الحميد إلى بيروت بأحد أنجاله، وأمر بتشييد ضريحه، وبنى قبة فخمة عليه كانت على الطريق العام، ثم نقلتها حكومة الساحل إلى جانب مقبرة هناك لما وسعت الطريق، وهكذا طوى الموت عبقريًّا فذًّا كانت تقدر مواهبه الملوك والأمراء والعظماء، فدفنوا بحراً في قبر، وشمساً في رمس، وكوكباً في غيهب، رحمه الله وضاعف حسناته، ورزق البلاد فوارس تقتفي أثره وتبلغ شأوه.

*  *  *

 



([1])   (أ) (1/364 ـ 365).

الأعلام