جاري التحميل

بترو الطرابلسي

الأعلام

بترو الطرابلسي([1])

(1905 ـ 1940م)

مولده ونشأته:هو المرحوم بترو بن صادق بن بطرس بن توما الطرابلسي، وأسرته أرثوذكسية المذهب عريقة في المجد والنسب، ولد في نيويورك سنة 1905م، وفي السنة السادسة من عمره عاد به والده إلى بلده حمص وعني بتربيته وتثقيفه، وتولاه المعلم يوسف شاهين المشهور بعلمه وفضله، فعلمه اللغة العربية مدة ثلاث سنين، وكان موضع الإعجاب بذكائه ونباهته، ولما شبت الحرب العالمية الأولى اضطر للبقاء في حمص، وتعاطى مهنة الصياغة، وافتتح محلًّا سماه (القلب الذهبي).

عودته إلى أمريكا: وفي شهر آب سنة 1926م رجع إلى نيويورك واشتغل في حياكة النسيج، ثم عاد إلى مهنته الصياغة، وكان إلى جانب أعماله التجارية والمهنية ينظم القوافي، ويكتب وينشر قصائده ومقالاته في جريدة السائح ومجلة السمير لإيليا أبي ماضي.

مواهبه: كان شاعراً مجيداً ومتفنناً ألمعيًّا، ورجلاً بكل ما تفسر المواهب الفذة في الرجال، درس الفن الموسيقي ووضع النوتة على الأستاذ فؤاد الحلبي الحمصي قنصل الشيلي في سوريا آنئذ، وقد ألف جوقة فنية وسجل أسطوانات عديدة. أما أضواء الوضع والتلحين فقد درسهما على فنانة زنجية، وله قطع موسيقية وأغاني معروفة، ولما زار الأستاذ سامي الشوا عازف الكمان الشرقي المشهور أمريكا الشمالية اجتمع به وأثنى على مواهبه الفنية ومقدرته في العزف على الكمان.

أدبه: لقد أبى الدهر إلا أن يعاكسه، فكان تعيساً بائساً في مراحل حياته، أحس بالأسى والحرمان، فكافح وصبر، وجادت قريحته بنفثات صادقة عبر فيها عن شعوره وآلامه، وله قصائد كثيرة في شتى المناسبات، وهي محفوظة في مجموعة مخطوطة.

لقد عصف الحب بقلب هذا الشاعر المتفنن وحالت دون أمنيته موانع قاهرة، فلما أزمع السفر ودعه أنسباؤه وفيهم من يحب، فقال وهو يكتم عبراته:

لا قبلة بل هز أيد فقط

يا هند ما أبرد هذا الوداع

هل أنت تخشين أذى مفسد


ينفث سمًّا ناقعاً في السماع

أم أنت تصغين لفكر أتى

أم أن ذاك الحب يا هند ضاع

أهديت قلبي بسمة كلثمت

ثغرك والقلب كوت بالتياع

لا تبسمي أرجوك لا تبسمي

قلبي امتلا ما عاد فيه اتساع

وناجى سعاد في مآسيه، فقال يصف شعوره:

عمرك الله يا سعاد دعيه

برهة ربما استطاب الغناء

ليس في وسعه الغناء متى شئـ

ـنا فقلبي يشدوا متى شاء

كم ليال رجوته أن يغني

لي نشيداً يفرج الكرب عني

وشددت الأوتار أعزف لحناً

يستطبه فلم يشأ أن يغني

إن في أمره لسرًّا عجيباً

خافياً عن مداركي ما زالا

غير أني سمعت منه نشيداً

مؤلماً ذات ليلة إذ قالا

وهنا تتجلى روعة فنه، وكأنه شعر بانطواء أيام حياته فقال:

إن شعري ولحنه وغنائي

قطرات أريقها من حياتي

كيف أرضى بأن تراق جزافاً

وحياتي معدودة القطرات

أما قصيدته (الملاح الشجاع) فهي تعبر عن مدى طموحه وبطولته وما تعرض له من نحس وشقاء:

رغم أن الرياح تعصف غضبى

والظلام الكثيف يغشي طريقي

وهزيم الوعود تكتب في فحـ

ـمة ليلي وعيدها بالبروق

لا أبالي فلست أطوي شراعي

مسلماً مركبي إلى الأمواج

فهو ليل سينجلي بصباح

إذ يسود السكون بعد الرياح

وإذا ما الرياح شقت شراعي

واستدارت بمركبي فتداعى

قبل أن يرسل الصباح ضياه

فاعلمي أنني قضيت شجاعاً

وفاته: وفي سنة 1940م طواه الموت وهـو فـي سـن الشباب، وكان موته خسارة على الأدب، ودفن في نيويورك، وأنجب ولدين هما بترو الصغير وجوني من زوجة تنحدر من أسرة الموصلي الحلبية، ولو امتد به الأجل لأدى رسالته الأدبية والفنية على أكمل وجه، وهكذا نرى الدهر قد صب نحسه على أغلب الشعراء والفنانين دون أن يرحمهم وتشفع لهم مواهبهم.

وإننا لنرجو أن يتيح الزمن لشقيقه السيد ألبير الطرابلسي الشاعر الذكي المطبوع الذي أثقلت كاهله متاعب الحياة فحالت دون تفرغه للأدب فيخرج ديوان هذا الشاعر المتفنن إلى ميدان الأدب.

*  *  *

 



([1])   (أ) (2/87 ـ 88). 

الأعلام