جاري التحميل

حنا خباز

الأعلام

حنا خباز([1])

(1871 ـ 1955م)

مولده: هو المرحوم حنا بن عبد الله بن حنا بن داود بن إلياس العجي، وأصل الأسرة من (كفران) في وادي النصارى، وقد نزحت إلى حمص في القرن الثامن عشر، وبعد نزوحها تغير اسم الأسرة إلى (مزوق) بدلاً من العجي، وقد اتخذ المترجم لنفسه اسم خباز لأن والده كان خبازاً، وغلب هذا اللقب على أسرته.

ولد في مدينة حمص في أول تموز سنة 1871م من أبوين فقيرين ومحيط بعيد عن العلم، تعلم القراءة في كتاب أهلي بسيط عند الخوري إيليا جرجس الأنطاكي وهو في الخامسة من عمره، وقد أتم فيه قراءة الكراسة والمزامير والأكطخيوس في سنة واحدة، ثم استقل في صناعة الديما والحياكة التي أتقنها ومارسها إلى سنة 1889م، وكان من صناع الحرير والنقش بالقصب، ثم واظب على حضور الاجتماعات الدينية ودراسة الكتاب المقدس.

تحول في حياته: وفي سنة 1886م أصيب بالتهاب في رجله لازم لسببه المنزل مدة شهرين وانقطع عن العمل، فكان ذلك المرض نقطة التحول في حياته، فقد حصل على كتاب (مغني المتعلم عن المعلم) في الصرف والنحو، فقرأه وتفهمه، وكان ذلك الكتاب الحجر الأول في بنائه العلمي، وأصبح هدفه الحصول على المزيد من العلم والمعرفة، فتلقى علوم اللغة العربية على أستاذ حمص الكبير يوسف شاهين، وعلى الشيخ مصطفى الحداد، حتى إنه استطاع سنة 1888م أن ينظم قصيدة يودع فيها القسيس بدر القاصوف عند سفره من حمص، وهذا مطلعها:

هب النسيم على الفؤاد وخبرا

أن النوى قد آن والبدر سرى

أما الحساب فقد تعلم منه القواعد الأربع في أربع ليال متتالية، وبسبب انتسابه للطائفة الإنجيلية ونشاطه فقد أخذ عن معلمي مدرستها الابتدائية بعض العلوم العصرية، واتجهت ميوله نحو المزيد من العلم، فالتحق بمدرسة صيدا ودرس فيها مدة سنتين من سنة 1889م إلى 1891م، ونال شهادتها الثانوية، وكان من رفقائه في التلمذة هناك السياسي المعروف الأستاذ فارس الخوري، والكاتب الاجتماعي الكبير المرحوم نقولا الحداد.

عودته إلى حمص: وفي سنة 1891م عاد إلى حمص معلماً في مدرستها الإنجيلية، وفي سنة 1894م قرر الالتحاق بمدرسة اللاهوت الإنجيلية، وكان يود كثيراً أن يلتحق بالجامعة الأمريكية، ولكن عجزه المادي حال دون تحقيق غايته.

وفي سنة 1895م أنهى دروسه اللاهوتية ونال شهادتها، ومارس أعمال التبشير والتعليم في عدة كنائس.

قرانه: وفي سنة 1896م اقترن بالآنسة آجيا اليازجي إحدى خريجات مدرسة البنات الأمريكية في طرابلس، فكانت خير رفيق وأكبر معين ومساعد في حياته وعمله الديني والتربوي، وأعقب منها أربعة بنين وكريمتين، وكلهم من خريجي الجامعات والمدارس العالية.

جهوده وخدماته: وفي سنة 1901م عين واعظاً لكنيسة حمص الإنجيلية ومديراً لمدارسها، ورغم كل مقاومة تعرض لها في تأسيس كلية حمص الوطنية فقد شاد المباني المدرسية، ولم يمض على تأسيس الكلية سنوات حتى أصبحت مناراً للعلم والعرفان في شمالي سوريا، وفي سنة 1911م أصدر (جادة الرشاد)، وهي جريدة أسبوعية إخبارية اجتماعية، وقد غضبت الحكومة التركية من صدقه وصراحة كتاباته.

رحيله إلى مصر: ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى في صيف 1914م أعيدت محاكمته وحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر، فشعر أن حياته أصبحت في خطر، فأسرع إلى الرحيل قاصداً مصر حيث قضى أربع سنوات كانت من أصعب سني حياته؛ لأنه كان بعيداً عن عمله ومحيطه، وفي غيابه صادرت الحكومة التركية المباني المدرسية وبددت أثاثها.

رحلته إلى أمريكا: وفي سنة 1917م قام برحلة إلى أمريكا عن طريق الشرق الأقصى حيث قضى نحو سنة صادف من الأخطار والمتاعب والاختبارات في الهند وبورما والملايو والصين واليابان وفيلبين ما سجله في مذكراته في الجزء الأول من كتابه (حول الكرة الأرضية)، ولقي في أمريكا ترحاباً وتقديراً عظيمين من مواطنيه المغتربين، وجمع إعانات كثيرة لإعادة افتتاح الكلية سنة 1922م عند عودته إلى حمص.

نزوحه إلى مصر: لقد حاك رجال الانتداب حوله المؤامرات، وبثوا الجواسيس حوله، وعاكسوه وقضوا على جهوده الثقافية، فاضطر لمغادرة حمص سنة 1925م قاصداً ثانية مصر، وقضى السنوات من 1926م إلى سنة 1938م في مصر والسودان حيث كان أولاده يعملون فيهما.

مؤلفاته: كان مثاليًّا في إخلاصه ووطنيته وقوميته، فقد أصدر في مصر كتابه: (فرانسا وسوريا) في جزأين، وهو بحث في السياسة الفرنسية الخاطئة في سوريا التي أدت إلى ثورة (1925 ـ 1927م)، 2 ـ ترجم كتاب (جمهورية أفلاطـون) إلـى اللغـة العربية، 3 ـ ترجم مسرحيات شكسبير الست والثلاثين، 4 ـ آيات الفن والإبداع في الفلسفة والأدب في كل العصور، 5 ـ الجزء الأول والثاني مـن كتـاب (حـول الكـرة الأرضيـة)، 6 ـ دانيـال، 7 ـ وأنت والكتاب، 8 ـمطارف التهذيب والأدلة السنية، وهي كتب دينية وأخلاقية وتهذيبية، 9 ـ المعاركالفاصلة في التاريخ، 10 ـ مزايا الفتاة، 11 ـ رواية قناصة المملوك، 12 ـ مختارات المقتطف، 13 ـ الفلاسفة في كل العصور وفلاسفة الإرهاب، 14 ـ فارس الخوري حياته وعصره، وهو طريح الفراش، 15 ـوألف وطبع ووزع كتاب (إسرائيل) وهـو فـي أشـد حالات المرض، 16 ـ والله والفضاء وفلسـفة الإيمان المسيحي، 17 ـ مذكرات بخمسة مجلدات، ولا تزال عنده مؤلفات مخطوطة. وغمر قلبه حزن عميق لما حل بفلسطين من الجور والنكبات، وجرد قلمه لنصرتها، وهاجم السياسة الإنكليزية والأمريكية بقلمه الجبار، حتى إن السفير الإيطالي زاره في منزله بدمشق ورجاه التوقف عن هذه الحملة.

مرضه ووفاته: وفي سنة 1950م أصيب بنوبة قلبية كادت تودي بحياته، وفي صيف سنة 1951م أصيب بمثلها وهو يعظ في الكنيسة الإنجيلية، فسقط عن المنبر وأصيب بجراح نقله على إثرها أولاده إلى المستشفى في سوق الغرب حيث بقي حتى وفاته.

وفي الساعة التاسعة والنصف من مساء يوم الثلاثاء 26 تموز سنة 1955م وهو في تمام وعيه ودع أولاده وأحفاده ثم أغمض عينيه، وفاضت روح هذا العلامة العصامي الذي كان علماً من أعلام التأليف والتربية في الشرق العربي، ومرجعاً من مراجع الفلسفة واللاهوت، وخطيباً بليغاً وواعظاً مرشداً في اللغتين العربية والإنكليزية، الذي أشاد بعلمه وفضله علماء الأزهر في مصر، والذي كتب ونشر أكثر من ستين مؤلفاً في الدين والفلسفة والسياسة والتاريخ والأدب والاجتماع والأخلاق، وسطرت له الجرائد والمجلات العربية ألوفاً من المقالات البليغة، وفارق الحياة والقلم بيده.

ولقد وسد اللحد في مدافن الكنيسة الإنجيلية في بيروت، وأقام له النادي الحمصي حفلة تأبين كبرى تبارى فيها الخطباء والشعراء، وألقى شاعر حمص الأستاذ ميشيل المغربي قصيدة عامرة بعنوان: ذكرى معلمي، نقتطف منها هذه الأبيات:

ليت الفلاسفة الذين تبجلُ

آجالهم حتى المئين تؤجلُ

والظالمون الآثمون من الورى

لا يهبطون الأرض حتى يرحلوا

حتى ترى الدنيا نعيماً خالداً

ليست بغير أولي الكرامة تؤهل

الخير أن يحيا المئين أخو النهى

بل أن تكون له حياة أطول

بؤسي على الدنيا غداة وفاته

أن ينطفي فيها سراج مشعل

وقد أعقب رحمه الله السادة ناجي، والدكتور راجي، والأستاذ توفيق، وسلمى، ورمزا، وشكري، وكلهم على جانب عظيم من الثقافة والأدب.

*  *  *

 



([1])   (أ) (2/ 75 ـ 77).

الأعلام