جاري التحميل

خاشع الراوي

الأعلام

خاشع الراوي([1])

(1914م)

مولده ونشأته: هو الأستاذ خاشع بن المرحوم الشيخ محسن بن الشيخ محمد الراوي أحد أقطاب الطريقة الرفاعية في العراق، وهم سادة حسنية، ولد سنة 1914م في راوة، ودرس العلوم الدينية والعربية والتصوف على كبار مشايخ العراق وعلمائها، منهم عمه الشيخ إبراهيم الراوي الجليس على سجادة السادة الرفاعية في العراق، والشيخ يوسف آل عطاء مفتي العراق، والشيخ محمود درويش الآلوسيرحمهم الله، ونال من كل من هؤلاء الأعلام إجازة علمية رفيعة.

أدبه: يعتبر المترجم من شباب العراق البارزين في أدبهم ووطنيتهم وأخلاقهم الفاضلة، ولا غرو في ذلك، فإنه سليل أسرة عريقة في تالد المجد والطارف، أنجبت أفذاذ الرجال من علماء ووزراء وشعراء كان لها أوثق الصلات بماضي العراق وحاضره، ورافقت أحداثه وتطوراته بكل تجرد وإخلاص.

شعره: هو شاعر مجيد يحبس قريحته ليطلقها في غير عنت أو إرهاق متى وأنى شاء كلما أعوزه النظم، وشعره موزع بين الصحف والمجلات لم يعتن بجمعه في ديوان، وهذه ناحية لا ترضي المجتمع، فالخلود هو ثمن ما يتركه من تراث أدبي، يحفظ الشيء الكثير من أشعار العرب ونوادرهم، وتمتاز شاعريته بوطنيته الفياضة بالشعور القومي، فقصيدته الرائعة بعنوان (وطني) تمثل ما في روحه من ألم، ورأيت إثباتها بكاملها لتكون عبرة وعظة:

وطني ترابك عسجد

وغبار أرضك إثمد

وكأن ماءك خمرة

قد عتقتها صرخد

أما هواؤك فهو من

نفح القرنفل أجود

وكأن روضك جنة

فيها الجمال مجسد

فهنا غزالٌ أهيف

وهناك ظبيٌ أغيد

حورٌ وولدانٌ مخلْـ

ـلد حسان خرد

والورق تهتف في الربا

والعندليب يغرد

وطني جعلت لك الفدا

أفنى وأنت تخلد

هل أنت إلا كعبة

الحسن فيها يعبد

لكنني أجد الدعيْـ

ـيَ يعز فيك ويسعد

ويعيش فيك الأجنبيْـ

ـيُ منعماً يتبغدد

فيفوز منك بما يريـ

ـد ويستظل ويرغد

متلذذاً بالطيبا

ت شبابه يتجدد

أما أنا فمعذب

ومنغص ومنكد

ومضايق ومروع

ومطارد ومهدد

ومخيب ومبغض

ومندد ومشرد

ويظل دهري عابساً

وأساي لا يتبدد

وأظل أكدح جاهداً

وكذا الشقي المجهد

وأبيت أنبذ جانباً

وأذاد عنك وأطرد

أحيا بلا سكن وأفـ

ـترش التراب وأرقد

كالأمس يومي ضاع من

عمري ولم يك لي غد

ومن العجائب أنني

ألقى الهوان وأحسد

عز الكرام وعز يا

وطني المواسي المسعد

ولقد تحجرت القلو

ب وليس ثمة منجد

وإذ البغاث استنسرت

فالموت عندي أحمد

أشقى المواطن موطن

فيه المروءات توأد

بغياً، وشعب جاهلٌ

مستعمر مستعبد

العلم فيه يزدرى

والفضل فيه يجحد

ألف الخنوع وشد ما

يسقى العذاب ويجلد

فالسوط يلهب ظهره

لكنه يتجلد

أغضى فأرخص سعره

من في يديه المقود

دلاله متأمركٌ

وعميله متهود

ماذا يخبئ في غد

هذا الزمان الأنكد

وترى هذا الشاعر وقد تنازعته الآمال وهو في فجر حياته وشفه اليأس من كثرة الأدعياء، فيعبر عنهم بقوله:

أقول وقد كثر الأدعياء

مقالة ذي نظر ثاقب

إذا هجر الروضة العندليب

ليخلو بها الجو للناعب

فلا خير يرجى بهذي الحياة

إذا نعب البوم يا صاحبي

دع الدهر يجري على رسله

فلست على الدهر بالعاتب

ويتلاشى سحر الوجود لديه فلا يخدعه الزمان بعد أن رأى الحياة مدفناً للشعور والكرامات، فخانه الصبر والجلد في صراع مع نفسه الحزينة في حالات يضيق فيها الشاعر بالدنيا فقال:

أبقي لديك من الحياة منية

وأحب من هذا البقاء فناء

وأعز من سكنى القصور حفائر

فيها ملوك تستوي وإماء

لا توحشنك في حياتك غربة

فالناس فيها كلهم غرباء

ما كل من أبدى الولا لك مخلص

جل الولاء تملق ورياء

ما هذه دنياك إلا فتنة

لا تستقر وضحكة وبكاء

يا هل أسفت على زمان فيه قد

أمسى الكريم تنوشه اللؤماء

هذا دعي يشمخر بأنفه

مستكبراً دبت به الخيلاء

متطاولاً حنقاً وهذا ثعلب

متحايل أو حية رقطاء

تعساً لهذا الدهر من غِير به

قد دنست بشرورها الأجواء

وبالرغم من المؤثرات الروحية التي تكتنفه فله في ميدان الغزل جولات رائعة، فقد طغت الذكريات على حواسه وحن إلى شاطئ الفرات في مسقط رأسه راوة، فقال في قصيدة (الذكرى الخالدة) يبث نجواه وقد أجاد:

تجلى الجمال وشع القمر

ورق النسيم وطاب السمر

وغنى فأطربني العندليب

وأسكرني لحنه المبتكر

وصفق بين حنايا الضلوع

فؤاد بوجد الغرام استعر

فخلت كأني في جنة

أمتع بالحسن فيها النظر

تذكرت أيامنا في الفرات

وقد سح دمعي لها وانهمر

وأيام كنا نبث الجوى

على شاطئ النهر حتى السحر

وأيام كنا نناغي الطيور

ونخطو على نغمات الوتر

فكم قد أنسنا بتلك الحقول

وكم قد نعمنا بجني الثمر

وأنت إلى جانبي تنشدين

نشيداً فيطرب حتى الحجر

ندير الحديث حديث الغرام

بعيدين عن جو هذا البشر

لنا سيرة إن طواها الزمان

فكم قد طوى قبلها من سير

سرحت بفكري عبر الخيال

لأكشف أسرار تلك الصور

فما كان إلاك في خاطري

يحل الرموز ويجلو الفكر

أما وهواك وحق الوفاء

يميناً وهذا الجبين الأغر

فؤادي يصفق لما شعرت

بطيف دنا أو خيال عبر

فكم قد سهرت الليالي الطوال

أسائل عنك أخاك القمر

أما من لقاء به نستعيد

حياة الهنا وليالي الوطر؟

فحتام أبقى أسير الفؤاد

بسجن البعاد حسير البصر؟

أما ملحمته الرائعة (نيرون) فهي تصور عبقرية شاعر ثائر على ما تعانيه الشعوب من تصرفات (الطواغيت)، وهي تغذي روح التضامن الاجتماعي، فيها غضبات تدل على ما في جوارحه من آلام ممضة، وفي معانيها شرر يتطاير ورعد يقصف، والملحمة طويلة اكتفينا بهذه المقاطع:

هل رأيت الشعب إلا

بقرات لك تحلب؟

فاحتلبها كل يوم

مثلما تهوى وترغب

وأدر كأسك من هـ

ـذا الدم المطلول واشرب

وعلى حشرجة الأنـ

ـفاس فارقص وتطرب

لا تخف أن يزعجوا رأ

سك بالشكوى وتغضب

ليس للقوم سوى أن

يبهجوا نفسك مطلب

*  *  *

اجعل الأرض يا نيـ

ـرون تشكو وتئن

منك فالناس على

أرواحها لا تطمئن

لا تذر قلباً إلى قلـ

ـب من الناس يحن

جند الفقر عليهم

 وادع بالحرب تشن

وإذا السكين كلت

فبأشلاء تسن

إنما حسب الضحايا

منك أن تضحك سن

*  *  *

حطموا الأغلال عنكم

أيها الناس وثوروا

واجعلوا دائرة السو

ء على الباغي تدور

فإلى كم ذا الطواغيـ

ـت على الدنيا تجور

عجت الأرض وضجت

من تجنيها القبور

ويحكم هل مات فيكم

أيها الناس الشعور

أحياة تلك أم بؤ

س وويل وثبور؟

صفاته: هو شاعر كريم النفس لا يقصر في واجب، امتاز بالسجايا الفاضلة، واتسم بالرصانة والرزانة، لم يعرف عنه ميل إلى التزلف، فهو من أحرار الشعراء الصابرين، يعمل في وزارة الداخلية بفرع الدعاية، أسمر اللون، مهيب الطلعة، متوسط القامة، ذو أسرة وأولاد، وقد لقي مؤلف هذا السفر من الشاعر الأديب خلال زيارته  بغداد في عام 1956م كل عطف ولطف.

*  *  *

 



([1])   (أ) (2/ 205 ـ 208).

الأعلام