جاري التحميل

خير الدين الزركلي

الأعلام

خير الدين الزركلي([1])

فلذة الدهر عبقرية شاعر العروبة الأكبر الأستاذ خير الدين الزركلي

(1891م)

لقد كان وما زال للخطباء والشعراء مكانتهم السامية بين البشر، فهم قادة الأرواح، وفي سحر بيانهم آيات الهدى والنصر المبين.

رحم الله البطل الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، فقد كان لهذه العناصر في عهده شأنها البارز في إثارة المروءات وإضرام نار الحماس في النفوس، وسقى الله زماناً كان الناس يهرعون من المساجد إلى ميدان الجهاد وهم بين عويل ونواح دون وداع ذويهم للذود عن حمى أوطانهم وأعراضهم.

يسعدني أن أقدم للتاريخ شاعر العروبة الثوروي الفذ، ففي مراحل حياته عبرة وعظة وقدوة وذكرى.

أصله ونشأته: هو السيد  خير الدين بن محمود آغا الزركلي، يمت بأصله إلى عشيرة (الزركي) الكردية، واكتسبت في العهد العثماني حرف اللام، وهي كياء النسبة في اللغة العربية، فأصبحت (الزركلي).

بزغ نجم الشاعر العبقري في سماء دمشق سنة 1891م، وتلقى دراسته في معهد اللاييك الفرنسي في بيروت، وتعمق في اللغة العربية بدراسات خاصة.

نزوح النسر: وفي ليل 26 تموز سنة 1920م غادر سوريا عند دخول الفرنسيين وأقام في عمان حيث عين عضواً في مجلس المعارف يراقب أحداث وطنه عن كثب، ويصلي المحتلين لبلاده شعراً جهنميًّا من سعير لا يطاق، ثم حدث خلاف بينه وبين أولي الأمر فغادرها، وهناك أسس المطبعة العربية ومكتبتها، وبعدها جاء إلى حيفا وأصدر فيها جريدة الحياة.

الحكم عليه الإعدام: ومن مهازل المستعمرين أن أصدر المجلس العسكري الفرنسي بتاريخ 11 آب 1920م الحكم على هذا النسر العظيم بالإعدام غياباً؛ لأنه جاهر بوطنيته كأنها جريمة بنظر المستعمرين، ولما بلغه هذا الحكم السخيف قال هذا الشاعر الأبي ما يدل على قوة إيمانه وتوكله على الله:

نذروا دمي حقًّا علي وفاتهم

إن الشقي بما لقيت سعيد

الله شاء لي الحياة وحاولوا

ما لم يشأ ولحكمه التأييد

شاعر الثورة الأكبر: لقد شارك منذ عهد شبابه في الحركة القومية، فكان لولبها الألمعي وفارسها المغوار، ولما وقعت الثورة السورية الكبرى عام 1925م كان له شرف إذكائها، ويتردد بصورة خفية إلى ميادينها، وكان ما ينفثه من لهيب شعره الثوروي الخالد أشد وقعاً على الفرنسيين من تأثير حمم قنابلهم على معاقل الثوار، واستمع ما أفاضت به قريحته المتأججة في خريدته العصماء، وقد سمي بعدها بشاعر الثورة الأكبر، وأصبحت شخصية هذا الشاعر الجبار ملكاً للعروبة:

الأهل أهلي والديار دياري

وشعار وادي النيربين شعاري

ما كان من ألم بجلَّق نازل

واري الزناد فزنده بي وراي

إن الدم المهراق في  جنباتها

لدمي وإن شفارها أشفاري

دمعي لما منيت به جارٍ هنا

ودمي هناك على ثراها جاري

يا وامض البرق اطمئن وناجني

إن كنت مطلعاً على الأسرار

ماذا هناك فإن صوتاً راعني

والصوت فيه جفوة الأذمار

النار محدقة بجلَّق بعدما

تركت «حماة» على شفير هار

تنساب في الأحياء مسرعة الخطا

تأتي على الأطمار والأعمار

والقوم منغمسون في حمآتها

فتكاً بكل مبرأ صبار

ومنها:

الوابل المدرار من حمم اللظى

متواصل كالوابل المدرار

ثم نراه يصف في شعره بسالة الثوار ولقاءهم الآلاف في ساحات القتال فيقول متهمكاً على شجاعة الفرنسيين:

وانظر إلى الآلاف من بسلائهم

يغزوهم مئة من الثوار

من كل مغوار صليب عوده

يقتاد كل مدجج مغوار

الواثبين إذا يقال تأهبوا

والقاحمين إذا يقال بدرا

في الحجاز: لقد ذاعت شهرته بعد أن حلَّق بشاعريته وارتقى ذروة المجد الأدبي كشاعر ذي رسالة قومية عربية، فكان جلالة المغفور له الملك عبد العزيز آلسعود من المعجبين بوطنيته النادرة وأخلاقه الفاضلة، فحمضه ثقته، وعهد إليه في عام 1933م بإحدى الوظائف الكبرى في وزارة الخارجية إلى أن بلغ رتبة وزير مفوض، وهو الآن المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية في جامعة الدولة العربية في مصر، وقد ترأس الوفد السعودي مراراً، كما رأس أخيراً مجلس الجامعة العربية في القاهرة.

شوقه وحنيه: وطال اغتراب هذا الشاعر الأجل فطغت على روحه النبيلة وحسه المرهف عناصر الشوق والحنين إلى وطنه، فتراه بالرغم من جبروته يستسلم إلى عاطفته ويناجي دمشق مهد طفولته ومسرح بطولته فيقول:

أنا في هواك كما يشاء هواك لي

كلف بحبك يا دمشق ودود

لم أنأ عنك قلًى ولا لنقيصة

ما أنت إلا ربعي المحمود

ولقد هجرتك حين حاق بك الأذى

ما للأباة على الهوان قعود

أقصيت عنك ولو ملكت أعنَّتي

لم تنبسط بيني وبينك بيد

أترينها الأيام تجمع بيننا

وترين عهد صفائها سيعود

أتضمنا بعد الشتات خمائل

ريَّانة وأزاهر وورود

ما لي تساورني الهموم كأنني

هدف الليالي والزمان يعيد

أمسي وأصبح كالمدله حائراً

يقتادني التأريق والتسهيد

وعهدتني ثبت الجنان على النوى

والنفس تعصف تارة وتئيد

وتعاظم هيامه وحنينه وحبه لوطنه حتى بلغ درجة العبادة الوثنية، وفي ذلك يقول:

إن الغريب معذب أبداً

إن حلَّ لم ينعم وإن ظعنا

لو مثَّلوا لي موطني وثنا

لهممت أعبد ذلك الوثنا

إنتاجه الأدبي: وفي سنة 1919م نشر في دمشق موشحته الرائعة (ماجدولين والشاعر)، وكان من مؤسسي الرابطة الأدبية في دمشق، فنشرت له موشحته العذراء سنة 1921م، وهي عرض شعري رمزي رائع لما حل في وطنه عقب الاحتلال الفرنسي من محن ونكبات.

وفي سنة 1923م أصدر مؤلفه (ما رأيت وما سمعت) في مصر، وصف فيه ما أصاب سوريا عقب معركة ميسلون.

وفي سنة 1925م أصدر كتابه (عامان في عمان)، وهو عبارة عن مذكراته خلال مدة إقامته في عمان، وفي السنة ذاتها أخرج ديوانه الشعري باسم (ديوان خير الدين الزركلي).

وفي سنة 1927م أصدر كتابه الأعلام، وهو قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين في الجاهلية والإسلام والعصرالحاضر، ويقع في ثلاثة أجزاء.

وفي سنة 1930م سعد المجمع العلمي العربي بعبقرية شاعر الوطنية والجهاد فانتخبه عضواً.

أسرته: وفي عام 1918م اقترن وأنجب ولداً سماه (غيث)، وهو دكتور في مصر.

لقد عاد إلى وطنه بعد غياب والتياع قرير العين، فاستقبلت دمشق شاعرها العبقري بالحفاوة البالغة والتمجيد العظيم.

*  *  *

 



([1])   (أ) (1/387 ـ 389) و(2/143).

الأعلام