جاري التحميل

عبد الله النديم

الأعلام

عبد الله النديم([1])
(1845 ـ 1896م)

مولده ونشأته: هو عبد الله بن مصباح بن إبراهيم النديم، الأديب الألمعي، والخطيب المفوه، نادرة عصره، وأعجوبة دهره، وكان أبوه نجاراً للسفن بدار الصناعة، ثم اتخذ له مخبزاً لصنع الخبز، ومات بالقاهرة.

ولد المترجم بالإسكندرية في عاشر ذي الحجة سنة 1261ﻫ ـ 1845م، ونشأ في قلة من العيش، ومالت نفسه إلى الأدب فاشتغل به واسترشد من أهله وطالع كتبه، وحضر دروس الشيوخ بمسجد الشيخ إبراهيم باشا، وهبه الله ملكه عجيبة وذكاء مفرطاً، فبرع في الفنون الأدبية.

تعلم فن الإشارات البرقية، واستخدم في مكتب البرق في (بنها)، وبعدها نقل إلى مكتب القصر العالي، وقد غضب عليه خليل آغا، وكان ذا سطوة في القصر، فأمر بضربه وفصله، فضاقت به الحيل، حتى توصل إلى الشيخ أبي سعدة عمدة بداوي، فأقام عنده يقرئ أولاده، واتصل بأحد الوجوه فافتتح له حانوتاً لبيع المناديل، فكانت نهاية أمره أن بدد الكسب ورأس المال، وصار يجول البلاد وافداً على أكابرها، فيكرمون وفادته لما رزقه الله من طلاقة اللسان وخفة الروح وسرعة الخاطر في النظم والنثر.

ثم اتصل المترجم بالبيك التتونجي فجعله وكيلاً على ضياعه، ومازال حتى لحق بالإسكندرية.

جميعة مصر الفتاة: لما وفد إلى مصر، وشاهد الأحوال، والناس قد سئموا حكم إسماعيل باشا وتمنوا زوال دولته؛ ألفوا جميعة سموها (مصر الفتاة) يتآمرون فيها سرًّا خوفاً من بطش الخديوي، واشتغل بالكتابة في صحف الأخبار، فأعجب الكتاب بمقالاته واقتدوا به في تحسين الإنشاء، ثم سعى مع جمع من الأدباء فألفوا جميعة سموها (الجمعية الخيرية الإسلامية)، وجعلوه مدير مدرستها، وطفق المترجم يؤلف القلوب ويحض الأهلين على الالتئام بالمقالات والخطب ينفثها قلمه ولسانه، وألف قصة تمثيلية سماها (الوطن وطالع التوفيق)، وأخرى سماها (العرب)، ثم مثلها بحضور الخديوي، فكان لهما تأثير كبير النفوس.

في ميدان الصحافة: أنشأ صحيفة التنكيت والتبكيت، وظهر في أثناء ذلك وميض الثورة العرابية، فوافقت هوى في نفس المترجم، فانضم مع المناوئين وشد أزرهم، فملأ صحيفته بمحامدهم، ودعا إلى القيام بنصرهم، وخطب الخطب المهيجة، ونظم القصائد الحماسية، ثم انتقل إلى القاهرة وكانت جريدته جذوة من نار، واستبدل اسم صحيفته بأمر عرابي باشا فسماها (الطائف)، واسترسل مع رجال الثورة حتى صار جذيلها المحكك، ولقبوه بخطيب الحزب الوطني، فكانت له المواقف المشهورة والأيام المعدودة حتى استفحل الأمر، وقامت الحرب بالإسكندرية بين الإنكليز والمصريين، حتى وقعت الهزيمة الكبرى على المصريين بالتل الكبير، ففر عرابي باشا وعلي باشا الروبي ومعهما المترجم إلى القاهرة، واتفقوا على إيفاده إلى الإسكندرية بكتاب يطلبون به العفو من الخديوي، ولما وصل كفر الدوار بلغه القبض على زعماء الثورة ودخول الإنكليز القاهرة، فعاد إليها ليلاً، وبقي في داره بجهة العشماوي إلى الصباح، وخرج مع والده وخادمه فركبوا عجلة وقصدوا بولاق.

اختفاؤه: هو أحد أركان الثورة العرابية في مصر، ويعتبر في العصر الأخير أشهر هارب من وجه الدولة، تجاوزت مدة اختفاؤه التسع سنين، والفضل في عدم عثور الحكومة عليه يرجع إلى أن أخلاق الناس في ذلك الزمن كانت أكرم وأقوم، فإنهم عرفوه ولكنهم لم يفشوا سره، ولا أطمعهم جوائز الحكومة، ولو كانـت إدارة الشـرطة السياسـية منظمـة مـع فسـاد الأخلاق الناس اليـوم لوقع عبد الله نديم لامحالة.

مراحل اختفائه: لما قضى الإنكليز على ثورته عرابي باشا سنة 1882م فر الشيخ عبد الله نديم، وركب في الصباح عربة ومعه خادمه، فلما وصلا إلى بولاق ودعـه أبـوه واختفى هـو وخادمه ولم يظهر لهما أثر، فأقام مختفياً نحو تسعة أعوام لا يهتدي أحد إلى مكانه، وقد أعيا الحكومة المصرية أمره، حتى جعلوا ألف دينار مكافأة لمن يرشد إليه، وبثوا عليه العيون، فلم يظفروا بطائل، وحكموا عليه غياباً بالنفي مدة حياته من القطر المصري.

وقد يئس أصحابه من وجوده، وأشيع القبض عليه وخنقه سرًّا، ومنهم من أشاع موته حتف أنفه، ومنهم من أشاع هربه على أوروبا، فعدّ اختفاؤه من الأمور الغربية، وحدث أنه نزل مرة مختفياً عند قوم فأخفوه في قاعة مظلمة يتساوى فيها الليل والنهار، ويتوصل إليها من سرداب طويل شديد الظلمة، وكانت أرضها ترشح الماء لانخفاضها، وكان لا يتمكن من الكتابة والمطالعة إلا على مصباح صغير كثير الدخان، فقاسى الشدائد بهذا المكان تسعة أشهر، ولما خرج منه كاد لا يبصر الطريق لما غشي عينيه، ثم ألقت به الأقدار إلى بلدة فاختفى عند عمدة (العتوة القبلية) الشيخ محمد الهمشري، فأكرم مثواه، وأقام في داره ثلاث سنوات، وقد تزوج فيها وولدت له بنت وماتت ولم يشعر به أحد، وزوّج خادمه بأخت زوجته، ومات العمدة فاقتدى الولد بأبيه في الكرم، ولعمري إن ما أتته تلك الأسرة من مكارم الأخلاق وعلو الهمة لمما يندر مثله في هذا الزمن.

تنقلاته: وتنقل المترجم من بلد إلى بلد وماتت زوجته، ثم ذهب إلى القرشية، فكان يجتمع به هناك صديقه القديم الأديب محمد التميمي الفلسطيني الأصل، وتزوج هناك، ثم سافر إلى الدلجوان، وعاد إلى الغربية، وجعل المترجم إقامته بين البكاتوش وشباس الشهداء ينزل فيها عند محمد سعيد الحلاق، فيلقى عنده من الكرم والمروءة ما لقيه إبراهيم بن المهدي عند ذلك الحلاق المشهور مدة اختفائه من ابن أخيه الخليفة المأمون.

كانت زوجة عبد الله بن النديم تسيئ إليه وتغاضبه، فجمعت عليه مع ضيق الاختفاء سوء معاشرة الأهل، حتى ضاق ذرعه منها مرة وهمّ بإظهار نفسه للحكومة، ثم تراجع وأصلح أمره معها، ثم تشاجرا فلكمته على فمه، وكان خادمه مختفياً مع زوجته ببلدة الجميزة، فطلبت زوجة عبد الله النديم الذهاب إليه فأذن لها، فلما استقرت عنده تشاجرت مع زوجته، وكاد الأمر ينفضح، فأسرع الخادم لسيده بالبكاتوش مستغيثاً، فانتقل المترجم إلى الجميزة وأصلح بينهما، وبقي هناك نحو شهرين فاستأنس وطلب له المقام، وعرفه عمدة البلدة فتغاضى عنه وكتم أمره.

القبض على عبد الله النديم: وكان يتردد على البلدة رجل يدعى (حسن الفرارحي) وكان منتظماً في العسكرية، ثم استخدم جاسوساً سريًّا، فلما بصر بالمترجم أنكر حاله، فلما رآه عليه من سيماء الاختفاء، ورجح أنه عبد الله النديم، فأخبر الخديوي بوجود رجل من العرابيين مختف بالجميزة، فأسرعت قوة من الشرطة وأحاطوه بالدار، فواجههم متجلداً، فقبضوا عليه هو خادمه في 29 صفر سنة 1319هـ، وأعماهم الله عن كتبه وأوراقه، ولولا ذلك لأصابه شر عظيم بسبب أهاجيه القبيحة في الخديوي وأسرته، ولم ينل الواشي شيئاً من المكافأة لفوات الأجل المضروب لها، وقد ألف مدة الاختفاء بديعية شرحها وثلاثة داووين من الشعر، وجزء من كتاب (كان ويكون)، ثم انتهى الأمر بعفو الخديوي عنه ونفيه خارج القطر المصري، فأرسل إلى مدينة يافا حيث بقي فيها بضع سنين، وأكرمه أهلها وآنسوا غربته، وجذب قلوبهم بجميل حديثه ولطف معشره.

عودته إلى مصر: صدر العفو عنه، فعاد إلى القاهرة وأنشأ مجلة الأستاذ سنة 1892م، فبرزت موشحة ببديع مقالاته وغرر نظمه وموشحاته، وقد بلغت هذه المجلة من الشهرة ما لم تبلغه قبلها من التأثير في المجتمع، فقد أعاد لهم فيها نغمات حزب عرابي باشا، وأخذ يدعو إلى الفتنة ويحثهم على الثورة، فنفاه الخديوي عباس الثاني إلى يافا، وأُعطي أربعمئة دنيار، وأجري عليه خمسة وعشرين ديناراً كل شهر، واشترط عليه أن لا يكتب شيئاً عن مصر.

ولما استقر في يافا لم يسلم السعاية لدى السلطان، فأمر بإبعاده، فعاد إلى الإسكندرية متحيراً، ثم قبله السلطان وأقام في الأستانة واستخدمه في ديوان المعارف، فأمضى فيها بقية أيامه شريداً عن وطنه بعيداً عن أهله وخلانه.

أدبه: كان شاعراً عبقريًّا، امتلك نواصي القوافي والنثر، وخطيباً مفوهاً، ترك ثلاثة داووين شعرية وقد ضاعت، ولم يظهر منها إلا جزء من مؤلفه (كان ويكون)، وكتاب آخر نسبوه إليه واسمه (المسامير) محشو بالهجو القبيح في الشيخ أبي الهدى الصيادي.

ومن نظمه في الغزل:

سلوا السيوف من الجفون تدللا

فمن اهتدى بحجالهم بهم نحر

وتعلموا بقدودهم في تيههم

طعن المدرع في فؤاد المعتجر

وضعوا على الياقوت طلسم فضة

سموه من عجب لثام المختمر

وتكحلوا بالليل في أجفانهم

وتلثموا بالصبح من حسن شهر

وتدرعوا في حربهم بعفافهم

شأن الكريم مع الشجاع المنكسر

أسروا جنود غرامهم بجفونهم

ومحارب الغزلانيعذر إنأُسر

نظم اللآلي في ثغورهم الـ

ـحسن الذي في كل ذي حسن نثر

وكان يعشق الجمال والفن، وله جولات رائعة في هذا الميدان:

سلوه عن الأرواح فهي ملاعبه

وكفوا إذا سلَّ المهند حاجبه

وعودوا إذا نامت أراقم شعره

وولوا إذا دبت إليكم عقاربه

ولا تذكروا الأشباح بالله عنده

فلو أتلف الأرواح من ذا يطالبه

أراه بعيني والدموع تكاتبه

ويحجب عني والفؤاد يراقبه

فهل حاجة تدني الحبيب لصبه

سوى زفرة تثني الحشا وتجاذبه

فلا أنا ممن يتقيه حبيبه

ولا أنا ممن بالصدود يعاتبه

ولو أن طرفي أرسل الدمع مرة

سفيراً لقلبي ما توالت كتائبه

وفاته: اشتدت عليه علة السل، فرافقته المنية في اليوم الرابع من شهر جمادى الأولى سنة 1314ﻫ، تشرين الأول سنة 1896م، ودفن بمقبرة يحيى أفندي بشكطاش، ومن تأمل بعين الاتغاظ في تقلب الأحوال بالمترجم، وما ذاقه من حلو الزمان ومره، وما قساه مدة الاختفاء، ثم النفي حتى مات غريباً طريداً؛ حق له العجب، وعرف كيف يعبث الزمان بأهل الفضل من بنيه، وهكذا طوى الدهر صفحة أديب عبقري هو في ذكاء إياس، وفصاحة سحبان، ودمامة الجاحظ.

*  *  *

 



([1] (أ) (2/ 436 ـ 438).

الأعلام