جاري التحميل

محمد جمال الدين الأفغاني

الأعلام

محمد جمال الدين الأفغاني([1])

جمال الدين الأفغاني

(1838 ـ 1897م)

مولده ونشأته: هو السيد محمد جمال الدين الحسيني بن السيد صفتر، ينتمي إلى أسرة عريقة النسب كانت تحكم قسماً من أراضي الدولة الأفغانية في خطة (كنر) من أعمال كابل، وقد نزع السيادة من أيديها (روست محمد خان أمير الأفغان)، وأمر بنفي السيد صفتر وأسرته إلى مدينة كابل، ويتصل نسبه بالسيد علي الترمديالمحدث الشهير، ويرقى إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب.

ولد المترجم في مدينة (أسعد أباد) التابعة لخطة كنر سنة 1254ﻫ ـ 1838م، وتلقى العلوم العقلية والنقلية في كابل حتى استكمل دروسه في الثامنة عشرة من عمره.

وقد سافر إلى الهند وأتقن العلوم الرياضية على الطريقة الأوروبية، ومنها ذهب في سنة 1858مإلى الحجاز لأداء فريضة الحج، فوقف على كثير من عادات الأمم التي مر بها في سياحته.

في خدمة الحكومة: وبعد عودته إلى وطنه انتسب إلى خدمة الحكومة مدة إحدى عشر سنة، ثم لأمور سياسية اضطر أن يفارق بلاده، فارتحل عن طريق الهند إلى القطر المصري على نفقة الحكومة الإنكليزية، ومنه إلى عاصمة تركيا، وفيها لقي ضروب الحفاوة والتكريم، وعين عضواًفي مجلس المعارف، وأشار إلى طرق توسيع نطاق العلوم، وقد خالفه فيها زملاؤه في المجلس المذكور، وكلفه الصدر الأعظم للخطابة في دار الشورى، فارتجل خطبته في الصنائع غالى فيها إلى حد أن أدمج النبوة في عداد الصناعات المعنوية، فشغب عليه طلبة العلم، مما ألجأ الصدر إلى إبعاده عن تركيا.

إلى مصر: وفي 22 آذار سنة 1871م توجه إلى وادي النيل، حيث عينت له الحكومة المصرية راتباً شهريًّا، وهناك التف حوله كثير من طلبة العلم الذين قرؤوا عليه، ونقلو عنه، وأذاعوا بين طبقات المصريين فنون الكلام الأعلى والحكمة النظرية، وعلم الهيئة الفلكية، وعلم التصوف، وأصول الفقه الإسلامي، ولذلك دعاه تلامذته بفيلسفوف الشرق، وفاخروا به سائر علماء عصره.

كانت مدرسته بيته من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم، ولم يذهب إلى الأزهر مدرساً ولا يوماً واحداً، وكان يزور الأزهر في يوم الجمعة، ثم وجه عنايته لحل عقل الأوهام عن قوائم العقول، وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية، فاشتغلوا وبرعوا، وتقدم فن الكتابة في مصر بسعيه.

نفيه من مصر: كان ذا إلمام واسع في الشؤون السياسية، إلا أنه كان متطرفاً في حرية الأفكار إلى درجة متناهية، فأخذ يعقد الاجتماعات السرية والعلنية ويلقي الخطب المثيرة، ويحض الفلاحين على الاقطاعيين الذين يأكلون ثمرة أتعابهم، فقبض عليه في شهر أيلول سنة 1879م، وعلى من كان في حلقته، وأرسل هو وخادمه الأمين (أبو تراب) مخفورين إلى السويس، وأتاه السيد النقادي قنصل إيران بذلك الثغر ومعه نفر من تجار العجم، وقدموا له مقداراً من المال ليستعين به على قضاء حوائجه، فرده وقال لهم: (احفظوا المال فأنتم إليه أحوج، إن الليث لا يعدم فريسته حيثما ذهب)، ونزل إلى الباخرة ميمماً البلاد الهندية، وأقام في مدينة (حيدر أباد الدكن).

في باريس: ولما قدحت شرارة الثورة العرابية بمصر كلفته الحكومة الإنكليزية إلى الإقامة في مدينة كلكتا، حتى استتب الأمن في وادي النيل، ثم رخص له بالسفر إلى حيث شاء، فجاء أوروبا، وأقام في باريز نيفاً وثلاث سنين، وهناك اجتمع بالإمام محمد عبده المصري، وأنشأ معه (جريدة العروة الوثقى) لدعوة المسلمين إلى الاتحاد سياسيًّا ودينيًّا تحت لواء الخلافة الإسلامية، فنشر منها ثمانية عشر عدداً، ثم قامت الموانع دون استمرارها، وكتب في جرائد باريس فصولاً سياسية، وجرت له أبحاث فلسفية في (العلم والإسلام ) مع رينان الكاتب الفرنسي الذي شهد له بقوة البرهان وغزارة المعارف، ثم سافر إلى لندن بدعوة من اللورد شرشل واللورد سالسبري ليطلعا على رأيه في (المهدي) وظهوره في السودان.

دعوته إلى طهران: استقدمه الشاه ناصر الدين إلى طهران، فسار إليها وأكرم وفادته، وجعله وزيراً للحربية، فنال لدى أمراء تلك البلاد وعلمائها منزلة سامية، فخشي الشاه من نفوذه، وأدرك المترجم ارتياب الشاه منه، فاستأذنه في السفر تبديلاً للهواء، فسافر إلى روسيا واختلط بمشاهير أرباب العلم والسياسة فيها، وكتب في صحفها فصولاً طويلة تبحث في أحوال الدول الفارسة والأفغانيةوالعثمانية والروسية والإنكليزية كان لها تأثير عظيم في عالم السياسة.

في معرض باريس: ولما فتح معرض باريز لسنة 1889م سافر المترجم إليها فالتقى بالشاه في ميونيخ عائداً من باريس، فدعاه الشاه إلى مرافقته، فأجاب الدعوة وسار في معيته إلى فارس، فلم يكد يصل إلى طهران حتى عاد الناس إلى الاجتماع به والانتفاع بعلمه، والشاه لا يرتاب من أمره، كأن سياحته في أوروبا محت كثيراً من شكوكه، فكان يقربه منه ويستشيره ويوسطه في قضاء كثير من مهام حكومته، فشق ذلك على أصحاب النفوذ، وأحس جمال الدين بارتياب الشاه منه، فاستأذنه بالسفر إلى بلده (شاه عبد العظيم ) على بعد 20 كيلو متراً من طهران، فأذن له، فتبعه جم كبير من العلماء والوجهاء، وكان يخطب فيهم ويستحثهم على إصلاح حكومتهم، فلم تمض ثمانية أشهر حتى ذاعت شهرته في أقاصي بلاد الفرس، وشاع عزمه على إصلاح إيران، فخاف الشاه ناصر الدين عاقبة ذلك، فأنفذ إلى الشاه عبد العظيم خمس مئة فارس قبضوا على جمال الدين، وكان مريضاً، فحملوه من فراشه وساقوه يخفره خمسون فارساً إلى حدود المملكة العثمانية، فعظم ذلك على مريديه في إيران، فثاروا حتى خاف الشاه على حياته، وقد مكث في البصرة ريثما عادت إليه صحته، ثم سافر إلى لندن فتلقاه الشعب الإنكليزي بالإكرام، ودعي إلى مجتمعاتهم السياسية وأنديتهم العلمية ليروه ويسمعوا حديثه.

دعوته إلى الأستانة: ودعي للحضور إلى الأستانة، وتشرف بمقابلة جلالة السلطان سنة 1892م، فطاب له فيها الإقامة لما لاقاه من التفات السلطان وإكرام العلماء ورجال السياسة له، ومازال فيها معززاً مكرماً وجيهاً حتى داهمه السرطان في فكه وامتد إلى عنقه.

مؤلفاته: ليس له من التآليف المطبوعة سوى (تتمة البيان في تاريخ الأفغان)، كان يكره الكتابة ويتثاقل منها، فإذا رام إنشاء مقالة ألقى على كاتب من مثل إبراهيم اللقاني إلقاء قلما يراجعه ويصلحه، فيجيء من أول وهلة مسبوكاً مفرغ المعاني بقوالب لفظ لا تنقص عنها ولا تزيد، وكان يقيم في أواخر أيامه بقصر في (نشأت طاش) بالأستانة، أنعم عليه به السلطان، وفيه الأناث والرياش، وخصص له راتباً قدره (75) ليرة عثمانية في الشهر.

أطواره: كان أديب المجلس، كثير الاحتفاء بزائريه على اختلاف طبقاتهم، وذا عارضة وبلاغة، لا يتكلم إلا اللغة الفصحى، خطيباً مصقعاً لم يقم في الشرق أخطب منه، رزيناً كتوماً حر الضمير، صادق اللهجة، عزيز النفس، وديعاً مع أنفة وعظمة، ثابت الجأش، وكان راغباً عن حطام الدنيا، لا يدخر مالاً، ولا يخاف عوزاً، حاد المزاج، سريع الملاحظة، يكاد يكشف حجب الضمائر، قوي الحجة، ذا نفـوذ عجيـب على جلسائه، وقـد تعلـم اللغـة الفرنسـية في أقل من ثلاثة شهور بلا أستاذ إلا من علَّمه حروف هجائها في يومين.

علومه: كان واسع الاطلاع في العلوم العقلية والنقلية، وخاصة الفلسفة القديمة، وفلسفة تاريخ الإسلام، والتمدن الإسلامي، وسائر أحوال الإسلام، وكان يعرف اللغات الأفغانية والفارسية والعربية والتركية والفرنسية جيداً مع إلمام باللغة الإنكليزية والروسية.

آماله وأعماله: كانت غايته المثلى هي توحيد كلمة الإسلام، وجمع شتات المسلمين في سائر أقطار العالم، في حوزة دولة واحدة إسلامية، تحت ظل الخلافة العظمى، وقد بذل في هذا المسعى جهده، وانقطع عن العالم من أجله، فلم يتخذ زوجة ولا التمس كسباً، ولكنه مع ذلك لم يتوفق إلى ما أراده، فقضى ولم يدوّن من بنات أفكاره إلا رسالة في نفي مذهب الدهريين، ورسائل متفرقة في مواضيع مختلفة، ولكنه بث في نفوس مريديه روحاً حية حركت هممهم، وحددت أقلامهم، فانتفع الشرق بمواهبه.

وفاته: لقد داهمه السرطان في فكه في أواخر سنة 1896م، وامتد إلى عنقه، وفي التاسع من شهر آذار سنة 1897م ارتقى إلى منازل الخلود، واحتفل بجنازته ودفن في مدفن ( شيخار مزارلغى) قرب نشان طاش، ونقش على قبره:

هذا جمال الدين أمسى نازلا

جدثاً تضمن منه أيَّ دفين

قدرٌ به عم البكاء على امرئ

فقدت به الدنيا جمالَ الدين

*  *  *

 



([1])  (أ) (2/432 ـ 434).

الأعلام