جاري التحميل

محمد جمال الدين القاسمي

الأعلام

محمد جمال الدين القاسمي([1])

الشيخ محمد جمال الدين القاسمي

(1866 ـ 1914م)

هو علامة الشام، وأحد حلقات الاتصال في هدي السلف والارتقاء الذي يقتضيه الزمن، الفقيه الأصولي، المفسر المحدث، الأديب المتفنن، صاحب التصانيف الممتعة.

أصله ونشأته: نشأ في بيت من بيوت العلم والدين، ولد في أوائل جمادى الأولى سنة 1283ﻫ ـ 1866م، وتلقى مبادئ العلوم العربية والشرعية عن والده المرحوم الشيخ سعيد بن الشيخ قاسم الملقب بالحلاق، والقاسمي نسبة إلى الشيخ قاسم الملقب بالحلاق، والقاسمي نسبة إلى الشيخ قاسم، ووالدته علوية يتصل نسبها بنسب الشيخ إبراهيم الدسوقي الشهير.

تلقى العلوم المتداولة في الشام عن الشيخ بكري العطار، وكان يحضر مجالس العلامة الشيخ عبد الرزاق البيطار، وقد استفاد من علمه وعقيدته الأثرية وهديه وأخلاقه المرضية، وصحب الأستاذ العلامة الشيخ طاهر الجزائري فاستفاد من صحبته علماً بحال العصر ومعرفة بنوادر الكتب وغرائب المسائل، وصحب العالم المستقل الشيخ سليم البخاري، وأتراباً من خيرة شبان العصر المدنيين كرفيق بك العظم ومحمد كرد علي، فكان لصحبة هؤلاء الشيوخ والشبان ـ وهم خير من أنبتت الشام في عصره ـ تأثير عظيم في حياته العلمية.

رحلته إلى مصر: سافر إلى مصر مع العلامة الشيخ عبد الرزاق البيطار في عهد الإمام محمد عبده.

حساده: وكان من أكبر الخطوب على العلماء أن يروا في الشام عالماً يتصدى للتدريس والتصنيف، ويبين حاجة البلاد إلى الاصلاح والتجدد، فإذا تصدى لذلك أحد يكيدون له المكايد، وينصبون له الحبائل، ويهيجون عليه العوام أتباع كل ناعق.

كان يقرأ الدروس العربية والشرعية للطلبة والعامة، ويخطب في المسجد خطبة الجمعة، ويصنف الرسائل والأسفار الممتعة، ويصحح ما يرى نشره نافعاً من كتب المتقدمين، ويسعى في طبعها ونشرها، ويبث روح الاستقلال والاستدلال في ذلك كله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وكم سعى فيه وكاد له أولئك المعممون الجامدون فنجاه الله منهم، وقد اتهم مرة مع بعض أصدقائه بمحاولة هدم الدين بفتح باب الاجتهاد والاستدلال، وعقد لهم مجلس في المحكمة الشرعية، وسألهم القاضي عن تلك التهمة، وأخذ المترجم من دونهم إلى دار الشرطة وحبس فيها بضع ساعات، كان له دروع سابغات من أخلاقه وسيرته تقيه بغي أعداء العلم والإصلاح من حساده، إذ كان نزيه اللسان، بعيداً عن المراء والجدال، غير مزاحم وارثي العمائم على الحطام.

تصانيفه ورسائله: كان المترجم سيال القلم والقريحة، سريع الذاكرة والمراجعة، وقد زادت مؤلفاته على السبعين، وكتب كثيراً من الكتب والرسائل تصنيفاً وشرحاً واختصاراً وبعض المطولات، وقرظ الإمام محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، بعض مؤلفاته، ورد على حساده بقوله:

أقول كما قال الأئمة قبلنا

صحيح حديث المصطفى هو مذهبي

أألبس ثوب القيل والقال باليا

ولا أتحلى بالرداء المذهب؟

أخلاقه وشمائله: كان كاملاً في أخلاقه وآدابه وشمائله، أبيض اللون، نحيف الجسم، ربعة القد، أقرب إلى القصر منه إلى الطول، غضيض الطرف، كثير الإطراق، خافض الصوت، ثقيل السمع، خفيف الروح، دائم التبسم، وكان نقيًّا ناسكاً، واسع الحلم، سليم القلب، نزيه النفس واللسان، برًّا بالأهل، وفيًّا للإخوان، يأخذ ما صفا، ويدع ما كدر، عائلاً عفيفاً قانعاً.

ومن حسن وفائه أنه لم يقطع مراسلة الإمام المرحوم محمد عبده في أبان ثقل وطأة الاستبداد الحميدي، إذ كانت هذه المراسلة تعد من الجنايات السياسية التي تعاقب الحكومة صاحبها أشد العقاب.

وممن رثاه علامة العراق المرحوم السيد محمود شكري الألوسي الشهير، وكان صديقه.

وفاته: وافاه الأجل مساء السبت 23 جمادى الأولى سنة 1332ﻫ، و20 نيسان 1914م، ودفن بمقبرة باب الصغير.

*  *  *

 



([1])  (أ) (2/119 ـ 120).

الأعلام