محمَّد بن عيسى الصِّقلِّيُّ
أورد ترجمته الأستاذ الدكتور أسامة اختيار في كتابه الموسوعي (جمهرة أشعار الصقليين تحقيق ودارسة) والصادر عن دار المقتبس في بيروت سنة (1437 هـ - 2016م)
فقال:
أ ـ ترجمته([1]):
أبو عبد الله محمَّد بن عيسى بن عبد المنعم الصِّقلِّيُّ.
ذكر القفطيُّ أنَّه: «محمَّد بن عيسى بن المنعم»([2]) والصَّواب ما ذكره العمادُ في ترجمة والد الشَّاعر الفقيه عيسى بن عبد المنعم([3]).
أدركَ والدُه (عيسـى) الوجـودَ النُّورمانيَّ في صقلِّيَّـة، وبذلك يُعْرَفُ عصرُ الشَّاعر صاحبِ هذه التَّرجمة.
أبو عبد الله أديبٌ شاعرٌ ناثرٌ فقيهٌ، قرَّظه القفطيُّ فقال: «من أهل صقلِّيَّة، من أصحاب العِلْم بِعِلْمَي الهندسة والنُّجوم، ماهرٌ فيهما، قائمٌ بهما، مذكورٌ بين الحكماء هناك بأحكامهما، وله شعرٌ رائقٌ»([4]).
ب ـ شعره:
ـ 1 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 36 ـ 37):
ـ من المجتثّ ـ
| مَولايَ يا نُورَ قَلْبِي | ونُورَ كُلِّ القُلوبِ |
| أمَا تَرَى ما بجِسْمِي | مِنْ رِقَّةٍ وشُحوبِ؟([5]) |
| وما بِداخِلِ قَلْبِي | مِنْ لَوعَةٍ وَوَجِيبِ([6]) |
| فَلِمْ بَخِلْتَ بِوَصْلِي | وليسَ لِي مِنْ ذُنُوبِ؟ |
| فإنْ يَكُنْ لِيَ ذَنْبٌ | فأنتَ فيهِ حَسِيبي |
| وَمِحْنَتِي فيكَ جَلَّتْ | عَنْ فَهْمِ كُلِّ لَبِيبِ |
| وما لِسُقْمِي شِفاءٌ | ولا لَهُ مِنْ طَبِيبِ |
| ولا لِدائي دواءٌ | إلا وِصالُ الْحَبِيبِ |
| مَولايَ إنْ ذُبْتُ عِشْقاً | فَلَيسَ ذا بِعَجِيبِ |
| بَرِّدْ غَلِيلَ فُؤادِي | بِزَورَةٍ عَنْ قَرِيبِ |
| ففي صَمِيمِ فُؤادِي | جَهَنَّمٌ في اللَّهيبِ([7]) |
ـ 2 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 41 ـ 42)([8]):
ـ من الطَّويل ـ
| تَضَوَّعَ مِنْهُ إذْ فَضَضْتُ خِتامَهُ | نَسِيمُ فَتِيتِ المِسْكِ والعُودِ والنَّدِّ([9]) |
| ونَزَّهْتُ طَرْفي في حدائقَ أَزْهَرتْ | بها زَهْرَةُ السَّوسانِ والآسِ والوَرْدِ([10]) |
| بصَفْحَةِ نُورٍ مِنْ نَهارٍ دَجَتْ بها | سُطُورُ ظَلامٍ حالِكِ اللَّونِ مُسْوَدِّ |
| وطالَعْتُ ألفاظاً يَواقِيتَ نُظِّمَتْ | مَعَ الجَوهَرِ المَكْنُونِ والدُّرِّ في عِقْدِ([11]) |
| يزيلُ الضَّنَى عَنْ ذِي السَّقامِ مُرُورُها | بهِ بَلْ تُقِيمُ المَيْتَ مَنْ رَقْدَةِ اللَّحْدِ([12]) |
| مُضَمَّنَةً مِنْ عِلْمِ أَحْوالِهِ الَّذي | يَسُـرُّ سُرُورَ الوَصْلِ في زَمَنِ الصَّدِّ([13]) |
ـ 3 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 42):
ـ من البسيط ـ
| ياحالَ حالٍ بسُقْمِ النَّفْس والْجَسَدِ | قَدْ رُدَّ عَنْ وِرْدِ ماءِ الأَمْنِ والرَّشَدِ |
| قَدْ قَيَّدَتْهُ اللَّيالِي عَنْ تَصَـرُّفهِ | إلى النَّجاةِ بِقَيدِ الأَهْلِ والوَلَدِ |
| ولو أَمِنْتُ عَلِيِهمْ بَعْدَ مُنْصَـرَفي | صَرْفَ اللَّيالِي لَقَوَّتْ عَزْمَتِي جَلَدِي |
| مِنْ بَعْدِ نِعْمَةَ لَمْ تَنْعَمْ بِلَذَّتِها | نَفْسِي ولا بَرَدَتْ مِنْ لَوعَةٍ كَبِدِي |
| قَدْ أَسَّسَ البَينُ عِنْدِي مَنْزِلَي وَلَهٍ | فَمُهْجَتِي لِلْجَوَى والْعَينُ لِلسَّهَدِ |
| وأَرَّقَ الْبُعْدُ جَفْنِي ثُمَّ فَرَّقَنِي | فالجِسْمُ في بَلَدٍ والرُّوحُ في بَلَدِ |
| أخي ومَولايَ عَلَّ الدَّهْرَ يَجْمَعُنا | بِمَنْزِلٍ عَنْ جَمِيعِ الشَّـرِّ مُبْتَعِدِ |
ـ 4 ـ الأبيات في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 38)، ومنها البيتان الثَّاني والثَّالث في إخبار العلماء بأخبار الحكماء (189):
ـ من الخفيف ـ
| جادَ بالياسَمِينِ والوَرْدِ خَدٌّ | وحَبا الأُقْحُوانَ والخَمْرَ ثَغْرُ |
| أنا واللَّهِ عاشِقٌ لكِ حتَّى | ليسَ لي عَنْكِ يا مُنَى النَّفْسِ صَبْرُ |
| فَحَياتِي إنْ تَمَّ لي مِنْكِ وَصْلٌ | ومَماتِي إنْ دامَ لي مِنْكِ هَجْرُ |
ـ 5 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 40 ـ 41):
ـ من الطَّويل ـ
| شِهابُ المنايا مِنْ سماءِ الرَّدى انْقَضَّا | ورُكْنُ المَعالِي والجَلالِ قَدِ انْفَضَّا |
| بَكَتْهُ المَذاكِي المُقْرَباتُ وقَطَّعَتْ | شَكائمَها إذْ مِنْهُ أَعْدَمَتِ الرَّكْضا([14]) |
| مَشَتْ وَهْيَ بينَ الخَيلِ أَبْرَرُها دَماً | وأَبْرَزُها جِسْماً وأَهْزَلُها نَحْضا([15]) |
| وكادَتْ سُيوفُ الهِنْدِ تَنْدَقُّ حَسْـرَةً | وأَجْفانُها تَنْشَقُّ عَنْها لِكَـي تُنْضَى([16]) |
| وخَطَّ على الخَطِيَّةِ الرُّزْءُ أَحْرُفاً | أرادَتْ لها حِفْظاً فَحَوَّلها خَفْضا([17]) |
| وكادَتْ تفانَى حَولَهُ كُلُّ جُنَّةٍ | أسًى وتذوبُ البِيضُ واللامَةُ القَضَّا([18]) |
| شَهِدْنا على قُرْبٍ بِمَشْهَدِ مَوتِهِ | مَشاهدَ لَمْ تُخْطِ القيامَةَ والعَرْضا |
| أعادَ سُرُورَ العِيدِ حُزْناً مَماتُهُ | ومُبْرَمُ أَمْرٍ فِيهِ حَوَّلَهُ نَقْضا |
| فما أَحَدٌ وافَى المُصَلَّى ضُحًى ولا | دُجًى أَبْصَرَتْ مِنْ هَمِّهِ عَينُهُ غَمْضا |
| ألا لَمْ يَمُتْ مَنْ كانَ خَلَّفَ بَعْدَهُ | أخاهُ عَلِيّاً إذْ إليهِ العُلا أَفْضَـى |
| أَحَبُّ مُحِبٍّ لِلْفَضائلِ كُلِّها | وأَفْضَلُ إنسانٍ على كَسْبِها حَضَّا |
| تَعَزَّوا فإنَّ الموتَ حَتْمٌ على الورى | تُوافي بـهِ الآجالُ في الوَقْتِ إذْ يُقْضَى([19]) |
| وكَمْ أُسْوَةٍ في المُصْطَفَى وصحابِهِ | وقِدْماً قَفا آثارَهُمْ فَقَضَـى الْفَرْضَا |
| لَقدْ ماتَ فِيهِ عُدَّةٌ أيُّ عُدَّةٍ | لنا فَعَدِمْنا كُلَّ عَيشٍ بهِ يُرْضَى |
| وأَبْصارُنا كانَتْ تَسامَى لَهُ وَقَدْ | غَدا الكُلُّ مِنَّا طَرْفَهُ اليومَ قَدْ غَضَّا([20]) |
| وَقَدْ كانَ طَرْفي ليسَ يُغْضِـي على القذى | فَأَضْحَى على أَقْذائِـهِ اليومَ قَدْ أَغْضَى([21]) |
| فَظُفْرُ الْجَوَى الباقي بِقَلْبيَ ناشِبٌ | ونابُ الأَسَى المُلْقَى على مُهْجَتِي عَضَّا |
ـ 6 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 38 ـ 40):
ـ من البسيط ـ
| عَزَّ العَزاءُ وجَلَّ البَيْنُ والجَزَعُ | وحَلَّ بالنَّفْسِ مِنْهُ فوقَ ما تَسَعُ |
| يا عَينُ جُودِي بدَمْعٍ خالصٍ ودمٍ | فما عليكِ لهذا الرُّزْءِ مُمْتَنَعُ |
| فالجِسْمُ يَنْحُلُ والأنفاسُ خافِتَةٌ | والقَلْبُ يَخْفِقُ والأحشاءُ تَنْصَدِعُ |
| كُوني على الحُزْنِ لي ياعينُ مُسْعِدَةً | فإنَّ قلبي لِما تَأْتِينَهُ تَبَعُ |
| وكانَتِ الأرضُ لا تَحْوِي مَحاسِنَهُ | وقَدْ حَوَى شَخْصَه اللَّحْدُ الَّذي وضعُوا |
| مَنْ لِلْيَتامَى وأبناءِ السَّبيلِ وَهُمْ | قَدِ ارْتَوَوا مِنْ أَيادِيهِ وَقَدْ شَبِعوا |
| بُعْداً لِيَومٍ أتاهُ الموتُ فيهِ فما | بهِ لِذِي بَصَـرٍ مِنْ بَعْدُ مُطَّلَعُ |
| بَكَتْهُ شَمْسُ ضُحاهُ واخْتَفَتْ جَزَعاً | وأُلْفِيَتْ تَحْتَ سِتْرِ الغَيمِ تَطَّلِعُ |
| سَعَوا مُشاةً وَهُمْ في الزِّيِّ أغْرِبَةٌ | مُسْوَدَّةٌ مِنْ وراءِ النَّعْشِ تَتَّبِعُ([22]) |
| ولَمْ يَكُنْ لَهُمُ بالعِيدِ مِنْ فَرَحٍ | ولا لَهُمْ في التَّسَلِّي بَعْدَهُ طَمَعُ([23]) |
| لو يُفْتَدَى لافْتَدَتْهُ مِنْ عَشيرَتهِ | ذَوُو الحَفِيظَةِ والأَنْصارُ والشِّيَعُ |
| لكنَّ مَنْ غالَهُ الموتُ المُحَتَّمُ لا | يُفْدَى ولامِنْ نُيُوبِ الخَطْبِ يُنْتَزَعُ |
| جاءَتْ ملائكةُ الرُّضوانِ مُعْلِمَةً | بأنَّهُ بِجِنانِ الخُلْدِ مُرْتَفِعُ |
| وَقَدْ أَعَدَّتْ لهُ أعمالُهُ غُرَفاً | فيها لأَنْفُسِ أَهْلِ الفَضْلِ مُرْتَبَعُ([24]) |
| الموتُ وِرْدٌ وكُلُّ النَّاسِ وارِدُهُ | وقَدْ رأوهُ عِياناً بَعْدَما سَمِعُوا |
| ما بالُهُمْ شَعَرُوا بالموتِ أنَّهُمُ | سَفْرٌ وهُمْ لاقتناءِ الزَّادِ ما شَرَعُوا |
| نالُوا مَغَبَّةَ ما قَدْ قَدَّمُوهُ لَهُ | فِعْلاً بهِ حَصَدُوا مِنْهُ الَّذي زَرَعُوا |
| يا فَجْعَةً لَمْ تَدَعْ في العَيشِ من أَرَبٍ | وغُصَّةً في لَهاةٍ ليسَ تُبْتَلَعُ |
| أَضْرَمْتِ ناراً على الأحشاءِ مُوصَدَةً | أكبادُنا في لَظَى أنفاسِها قِطَعُ |
| بَنِي لُبانَةَ إنَّ اللَّهَ فَضَّلَكُمْ | على الوَرَى فَبكُمْ في الدَّهْرِ يُنْتَفَعُ |
| آراؤُكُمْ لِذَوِي الإرشادِ مُرْشدَةٌ | وجُودُكُمْ لِذَوِي الإكثارِ مُنْتَجَعُ |
| وقدرُكمْ قد سما عِزّاً مدى زُحَلٍ
| وجاهُكُم في ذُراه الخَلْقُ قد وَقَعُوا |
| وقَدْرُكُمْ قَدْ سَما عِزّاً مَدَى زُحَلٍ | وجاهُكُمْ في ذَراهُ الخَلْقُ قَدْ وَقَعُوا([25]) |
ـ 7 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 37):
ـ من البسيط ـ
| بِمُهْجَتِي ظَبْيُ خِدْرٍ زارَ مُكْتَتِما | فَرَدَّ رُوحِي إلى جِسْمِي وما عَلِما |
| أَبْدَى القَبُولَ مَعَ الإقبالِ حينَ بَدا | وقَدَّمَ البِشْـرَ والتَّسْلِيمَ إذْ قَدِما |
| فَقُلْتُ: مَولايَ صِلْ مَنْ شَفَّهُ سَقَمٌ
| فجادَ لِي بوِصالٍ أَذْهَبَ السَّقَما |
| فعادَ شَكِّي يَقِيناً في زِيارَتهِ | فلو تَرَحَّلَ عَنْ عَينِي لَما عُدِما |
ـ 8 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 38):
ـ من الرَّمل ـ
| بأبي ظَبْيٌ مَلِيحٌ فائقٌ | بابليُّ اللَّحْظِ غُصْنِيُّ القَوامِ |
| عَسَلِيُّ الرِّيقِ خَمْرِيُّ الهوى | لُؤْلُؤِيُّ الثَّغْرِ دُرِّيُّ الكلامِ |
| إنْ تَثَنَّى ماسَ غُصْناً في نَقَا | أو تَبَدَّى لاحَ بَدْراً في تَمامِ([26]) |
| حُزْتُ إذْ نادَمَنِي مِنْ وَجْهِهِ | دَعْوَةً تَمَّتْ بروضٍ ومُدامِ |
| وخَشِيتُ البَيْنَ إذْ وَدَّعَنِي | فَانْثَنَى يومَ وَداعِي بالسَّلامِ |
ـ 9 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 37 ـ 38):
ـ من الطَّويل ـ
| أتانِيَ مَنْ أَهْوَى على غَيرِ موعدٍ | فَخُيِّلَ لِي أنَّ الزِّيارَةَ في الحُلْمِ |
| تَبَخْتَرَ في الأَرْدافِ كالغُصْنِ في النَّقا | ولاحَ على الأزْرارِ كالقَمَرِ التِّمِّ([27]) |
| خَضَعْتُ لَهُ والذُّلُّ مِنْ شِيَمِ الهَوَى | فَأَسْعَدُ بالتَّقْبِيلِ والضَّمِّ واللَّثْمِ |
| وأَطْلَعْتُهُ عَمْداً على ما يَجُنُّهُ | جَناني مِنَ البَلْوَى وجِسْمِي مِنَ السُّقْمِ |
| فَأَشْفَقَ مِنْ حالِي ورَقَّ لِذِلَّتِي | وجادَ بوَصْلٍ رَدَّ رُوحِي إلى جِسْمِي |
| ولمَّا مَضَى فَكَّرْتُ في كلِّ ما انْقَضَـى | فصارَ يَقِينِي فيهِ أَثْبَتَ مِنْ وَهْمِي |
ـ 10 ـ في إخبار العلماء بأخبار الحكماء (189) والخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 34 ـ 35):
ـ من الطَّويل ـ
| كَتَمْتُ الَّذي بي فانْتَفَعْتُ بكِتْمانِي | وأَعْلَنْتُ حالِي فاتُّهِمْتُ بإعْلانِي |
| وما خِلْتُ أَنَّ الأَمْرَ يُفْضِي إلى الَّذي | رأيْتُ ولَكِنْ كُلُّ شَيءٍ يُرَى فانِ([28]) |
ـ 11 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 34 ـ 35):
ـ من الكامل ـ
| أَفْشَى هواهُ بأدْمُعِ الأجْفانِ | وأَبَتْ عليهِ مَطالِبُ الكِتْمانِ |
| رامَ التَّجَمُّلَ لِلْوُشاةِ فَلَمْ يُطِقْ | فَعَصـَى النَّصِيحَ ولَجَّ في العِصْيانِ([29]) |
| عَنَّتْ لهُ فَأَرَتْهُ بَدْراً طالِعاً | مِنْ فَوقِ غُصْنٍ بانَ في كُثْبانِ([30]) |
| هَيفاءُ يَحْسُدُ جِيدَها رِيمُ الفَلا | ظُلْماً ويَغْبِطُ وَجْهَها القَمَرانِ |
| سَلَبَتْ نُهاهُ وأَوْرَطَتْهُ تَعَمُّداً | في فِتْنَةٍ مِنْ لَحْظِها الفَتَّانِ |
| إنِّي ابْتُلِيتُ بحُبِّها وَأَجَبْتُهُ | لمَّا بَدا لِي شَخْصُهُ ودَعاني |
| فَلَهَيْتُ مِنْ وَلَهِي العَظِيمِ عَنِ النُّهَى | وسَلَوتُ مِنْ شَغَفِي عَنِ السُّلْوانِ([31]) |
| قُولِي لها: ما تَأْمُرِينَ لِمدْنَفٍ | كَلِفٍ بِحُبِّكِ هائمٍ حَرَّانِ([32]) |
| سَنَةً لهُ لَمْ يَدْرِ ما سِنَةُ الكَرَى | مُلْقَى أَسِنَّةِ طَرْفِكِ الوَسْنانِ([33]) |
| أَبْلَيتُ طَوعاً في المحَبَّةِ جِدَّتي | ورَضِيتُ قَسْراً في الهَوى بهَوانِ([34]) |
| وصَرَفْتُ نحوَ هَوَى المِلاحِ بَصِيرَتي | وسَرَحْتُ في بَيدائهِنَّ عَناني([35]) |
| حتَّى تَبَيَّنَ لِي الصَّوابُ وأنَّني | أَفْنَيتُ في طَلَبِ الضَّلالِ زماني |
| فَتَرَكْتُ لَهْوِي واطَّرَحْتُ مَجانَتي | وجَفَوتُ مَنْ [تَبِعَ] الهَوَى وجَفانِي([36]) |
ـ 12 ـ في الخريدة ـ شعراء المغرب (1/ 35 ـ 36):
ـ من الكامل ـ
| لا تَعْذِلُوهُ فإنَّهُ مَفْتُونُ | سَلَبَتْ نُهاهُ مَها القُصُورِ العِينُ |
| بَرَزَتْ فَتاةٌ مِنْهُمُ في خَدِّها | وَرْدٌ وفي وَجْناتِها نِسـْرِينُ([37]) |
| في طَرْفِها سَقَمٌ وفي أَلْحاظِها | غُنُجٌ وفي تِلْكَ المَعاطِفِ لِينُ |
| عَنَّتْ لَهُ وتَبَخْتَرَتْ في مَشْيِها | فَأَرَتْ غُصُونَ البانِ كيفَ تَلِين([38]) |
| وتَرَجْرَجَتْ أَرْدافُها فَرَأى بها | كيفَ انْتَقَى كُثْبانَها يَبْرِينُ([39]) |
| ولَوَ انَّها سَفَرَتْ فأَبْدَتْ وَجْهَها | لأَرَتْ ضِياءَ الصُّبْحِ كيفَ يَبينُ([40]) |
| أَنَسِيتِ لَيلَتَنا وقَدْ خَلُصَ الهَوى | مِنَّا وحَبْلُ الوَصْلِ وَهْوَ مَتِينُ |
| بِتْنا على فُرُشِ العَفافِ وبَيْنَنا | نَجْوَى تَرِقُّ لها الصَّفا وتَلِينُ([41]) |
| واللَّيلُ كالزَّنْجِيِّ شُدَّ وِثاقُهُ | والنَّجْمُ مُطَّلِعٌ عليهِ أَمينُ([42]) |
| هذا الَّذي جَدْواهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ | تَجْري ولَكِنْ ماؤهُنَّ مَعِينُ |
| ذو هَيبةٍ كاللَّيثِ إلَّا أنَّهُ | مُتَرَدَّدٌ ولهُ النُّفُوسُ عَرِينُ([43]) |
| بَرٌّ فليسَ الوَعْدُ مِنْهُ بِمُخْلَفٍ | أبداً وليسَ العَهْدَ مِنْهُ يَخُون |
| فَوَلِيُّهُ في الأَكْبَرَينِ مُعَظَّمٌ | وعَدُوُّهُ في الأَصْغَرَينِ مَهِينُ([44]) |
| ولَهُ إلى الفِعْلِ الجَميلِ تَوَثُّبٌ | ولَهُ عَنِ القولِ القَبيحِ سُكونُ |
| فالظِّلُّ لا مُتَنَقِّلٌ والوِرْدُ لا | مُتَكَدِّرٌ والمَنُّ لا مَمْنُونُ([45]) |
| خُلْقٌ كَنُوَّار الحَدائقِ زاهِرٌ | وحِجًى كأعلامِ الجبالِ رَصِينُ([46]) |
| وحَمِيَّةٌ تُولِي الأذِلَّةَ عِزَّةً | وتُعَلِّمُ الأيَّامَ كيفَ تكونُ |
| ونصيحةٌ للَّه يُوضِحُ نُورُها | ظُلَمَ الشُّكُوكِ إذا دَجَتْ فَتَبِينُ |
* * *
([8]) قال العماد: « له في وصف كتابٍ: تَضَوَّعَ مِنْهُ إذْ فَضَضْتُ خِتامَهُ... (الأبيات)» انظر الخريدة ـ شعراء المغرب: 1/ 41.
([9]) تَضَوُّع: تَفَرَّق وانْتَشر. فضَّ: فتحَ. ختامه: ما يُجْعَلُ على وعاء المِسك لِيُخْتَمَ به، الفَتِيت: المنثور. النَّدُّ: ضَرْبٌ منَ الطِّيب.
([10]) نزَّهْتُ طَرْفي: أَطْلَقْتُه وسَرَّحْتُه. السَّوسان: معرَّبٌ؛ نبتٌ له زهرٌ. الآسُ: ضربٌ من الرَّياحين خُضْرَتُه دائمةٌ.
([11]) يواقيت: جمع ياقوت، فارسيٌّ معرَّب، وهو حجرٌ كريمٌ، نُظِّمَتْ: سُلِكَتْ، أي جُعِلَتْ في سِلْكٍ واحدٍ، المكنون: المخبوءُ حِفْظاً له.
([12]) الضَّنى: المرض. السَّقام: المرض أيضاً. اللَّحْد: الشَّقُّ الَّذي يكون في جانب القبر موضع المَيْتِ، أو الَّذي يُحْفر في عُرْضِ القَبْرِ.
([14]) المذاكي: صفةٌ للخَيْل. المُقْرَباتُ: الإناثُ من الخيل تُحْمَى لئلا يَقْرَعَها فَحْلٌ لئيمٌ. الشَّكائم: الواحدة شكيمة، وهي الحديدةُ الَّتي تَعْتَرِضُ فمَ الفَرَسِ. أَعْدَمَت الرَّكضَ: فَقَدَت الجَرْيَ.
([16]) تَنْدَقُ: تَتَكَسَّرُ. أجفان: جمع جَفْن، غِمْدُ السَّيف. تُنْضَى: يصيبُها الخَلَقُ لِتَعَرِّيها مِنْ الغِمْدِ.
([17]) الخَطِّيَّةُ: الخَطُّ أرضٌ تُنْسَبُ إليها الرِّماحُ فيُقال: رماحٌ خَطِّيَّة. الرُّزْءُ: المُصِيبةُ.
([18]) الجُنَّةُ: كلُّ ما يُسْتَتَرُ بهِ من السِّلاح. البيض: السُّيوف اللاَّمعة. اللامة: بتسهيل الهمز الدِّرْعُ. القَضَّا: بتسهيل الهمز القضَّاءُ، وهي الدِّرْعُ الخَشِنَةُ الصُّلْبَةُ.
([27]) الأرداف: جمع الرِّدْف، وهو العَجيزَةُ. النَّقا: كَثيبُ الرَّمْل. الأزْرار: جمع الزِّر، وهو النُّقْرَةُ الَّتي تدورُ فيها وَابِلَةُ كَتِف الإِنسان، والوابلةُ طَرَفُ العَضُدِ في الكَتِف. التِّمُّ: المُكْتَمِل.
([31]) لَهَيْتُ: انْشَغَلْتُ. الوَلَهُ: الحزن والتَّحيُّر من شدَّة الوجد. الشَّغَف: الحبُّ إذا بَلَغَ شَغاف القَلْبِ، وهي جِلْدَةٌ دونَه. السُّلوان: بالضَّم؛ كلُّ ما يُنْسِي الهمَّ ويُذهِبُه.
([33]) السِّنَةُ: النُّعاس. الكرى: النَّوم. أسنَّة: جمع سِنان، وهو نَصْلُ الرُّمح. الوسنان: النَّعِسُ.
([38]) عنَّتْ: ظَهَرَتْ. البانُ: شجرٌ له دُهنٌ طَيِّبٌ، واحدتُه بانةٌ، وبه يُشبَّه قَدُّ المرأةِ اللَّدْنُ النَّاعم.
([39]) الأرداف: جمع الرِّدْف، وهو العَجيزَةُ. كُثبان: جمع كَثِيب، وهو التَّلُّ منَ الرَّمْلِ. يَبْرين: من أصقاعِ البَحْرَين، وهناك الرَّمل الموصوفُ كثيرٌ، انظر معجم البلدان: يبرين.