جاري التحميل

يعتمد الإسلام مبدأ «لا إكراه في الدين»

الموضوعات

يعتمد الإسلام مبدأ: «لا إكراه في الدين»

كتب الدكتور تيسير خميس العمر حول هذا الموضوع في كتابه ( العنف والحرب والجهاد) الصادر عن دار المقتبس بيروت  سنة (1439هـ - 2018م)

فقال :

 لقد فتـح المسلمون الباب على مصراعيه لحرية العقيدة، فلم يكرهوا أحداً على اعتنـاق الإسلام، وهذا منطلـق مبدئي في الإسـلام وليس اجتهاداً شخصياً لواحد منهم، وتبين لنا هذا من خلال ما يلي:

 أولاً: إن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة والتبليغ، فقد تكرر هذا في القرآن الكريم كثيراً قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴿٢١﴾ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾[الغاشية: 21 ـ 22]. ﴿ ِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ ﴾[الشورى: 48]. ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾[الكهف: 6] ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[النحل: 125] وقـد دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الله بحكمـة وصبر وأناة؛ إلى أن فتـح الله عليـه قال غوستاف لوبون: «للإسلام وحـده كل الفخار بأنه أول دين قال بالتوحيد المحض الخالص، وبأنه أول دين نشر أتباعه ذلك التوحيد في أنحاء العالم... وفي التوحيد سر قوة الإسلامولاشيء أكثـر وضوحاً وأقـل غموضاً من أصـول الإسلام وقـد ساعد وضوح الإسلام وما أمر به من العدل والإحسان على انتشاره في أنحاء العالم»([1]). تلك الدعوة التي شرح الله لها صدور العباد.

 ثانياً: الإكراه على الدين ممنوع بنص القرآن الكريم وقد التزم المسلمون مبدأ التسامـح وحريـة الحياة الدينية لجميع أتباع الديانات الأخرى. يؤكد هذا قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[البقرة: 256]. ﴿ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. وقال سبحانه: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾[الكهف: 29]. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ[يونس: 100]. هـذا المبـدأ ثابت في القـرآن الكريم لأنـه سبحانه يبين أن الشريعة الإسلامية شريعة خاتمة للشرائع السماوية التي تخرج من مشكاة واحدة قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّـهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾[الشورى: 13]. فكـان هذا سبباً لدخـول كثير من أتبـاع الديانات الأخرى في الإسلام، فالإسـلام يمجـد تلـك الديانات ويسمو بهـا ويرفعهـا فـوق التحريف؛ ويكرم أنبياءها أيما تكريم. وقد وضع القرآن الكريم أساس التسامح بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[المائدة: 69]. من هذا المنطلق القرآني كانت الحضارة الإسلامية «تؤمن لأتباع الديانات الأخرى مكاناً معترفاً به داخل إطار الوحدة الكبرى. فقد فصّل الإسلام بين العقيدة التي يجب احترام حريتها عند الآخرين وبين المصالح الدنيوية التي تعتمد على الكفاية والأمانة ولا تميز بين دين ودين في سبيل التعاون لتحقيق المثل العليا الإنسانية»([2]).

 لقد أثبت ذلك المسلمون عملياً ويشهد بهذا العدو والصديق، وبقي الحال مستمراً في التسامح مـع غـير المسلمين والحفاظ على مصالحهم دينية ودنيوية إلى آخر عهد الخلافة الإسلامية في فترة الحكم العثماني، ويسجل هذا توينبي في كتابة الحرب والحضارة أنه لما أراد السلطان سليم القضاء على بعض الأقليات التي كانت مصدر بلاء للمسلمين، وقـف العلماء المسلمون في طريـق خطتـه. فيقول توينبي «وحين سعى الشيخ جمال بنجاح للقضاء على المشروع الرهيب الذي أعده السلطان سليم فلم تكن عواطفـه الإنسانيـة هي حافزه الوحيد إلى لك؛ بل كلك الوصايا الدائمة للتشريـع الإسلامي التي كان من واجبـه المهني السهر على تنفيذها، لقد كانت هذه الوصايا تأمـر أمير المؤمنين أو مـن يقـوم مقامـه بأن يتسامـح مع غير المسلمين من (أهل الكتاب)؛ إذا أعرض هؤلاء عن مقاومة الإسلام بقوة السلاح، ما تعهـدوا ووفوا بعهدهم من طاعة السلطات الإسلامية ودفع الجزية. والحقيقة أن ذلك هو المبدأ لتفسير السرعة التي أنجزوا بها عملهم، ولم تكد الغزوات الأولية تفسح مكانها للفتوحات الواسعة الدائمة حتى تدخل الخليفة عمر يحيي السكان المغلوبين»([3]) هذه شهادة غير مسلم تنطق مؤكدة تناسب قول المسلمين مع عملهم. أثار بعض المستشرقين شبهات حول آية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ إذ يقررون في مؤلفاتهم ومنشوراتهم أن الإكـراه على الدين كان بعد الهجـرة وأن الإسـلام حينئذ قام بالسيف والجهاد: هو نشر الإسلام بالقوة حتى يدخل كافة الناس في حكم الإسلام، ولا بد من إبادة الكفرة ومحمد (نبي الحرب والقتال)، والحرب قائمة بين المسلمين وغيرهم دون هوادة أو فتور. هذا ما تردد في كتاب (جولد تسيهر) (العقيدة والشريعة)([4]) و(دائرة المعارف الإسلامية)([5]). هذا الكلام يدعونـا إلى البحث في آية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أمنسوخة أم لا؛ لتجلية الحقيقة أمام الأفهام التي أرادت أن تدخل من طريق وعر المسلك تريد التضليل والتقول على الإسلام.

 اختلف العلماء بشأن آية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ على ثلاثة أقوال رئيسية:

أصحاب القول الأول: اعتبروا الآية منسوخة.

 وأصحاب القول الثاني: اعتبروها مخصوصة.

 وأصحاب القول الثالث: لم يقولوا ولا بتخصيصها.

 أصحاب الرأي الأول: ممن قال بنسخها: سليمان بن موسى([6]) وغيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام؛ وقاتلهم ولم يرض منهم إلا الإسلام؛ لذا فإنـه يجب أن يدعـو جميـع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام؛ فإن أبى أحـد منهـم الدخول فيه أو لم يبذل الجزيـة قوتل حتى يقتل؛ وهذا معنى الإكراه. قـال تعالـى: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّـهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: 16]. والناسخ لآية الإكراه قوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾[التوبة: 123]. وفـي الحديـث الصحيح «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل»([7]): يعني الأسرى ثم يسلمون.

 أصحاب الرأي الثاني: من قال ليست آية الإكراه بمنسوخة بل هي خاصة: قتادة والضحاك؛ فهي خاصة بأهل الكتاب الذين يبذلون الجزية. والذين يكرهون: هم أهـل الأوثان فهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ...﴾. ودليل هذا الرأي: ما رواه زيد بن أسلـم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لعجوز نصرانية: اسمعي أيتها العجوز أسلمي إن الله تعالى بعث محمدا عليه السلام بالحق قالت: أنـا عجوز كبيرة والموت إلي قريب. قـال عمر: اللَّهُم اشهد ثم تلا: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.

 ومن قال إنها مخصوصة ابن عباس قال: كانت تكـون المرأة مقلاتاً: (التي لا يعيش لها ولد)؛ فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كـان فيهم كثير من أبنـاء الأنصـار فقالوا لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[البقرة: 256]. وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد وأيد أبو جعفر النحاس قول ابن عباس رضي الله عنهما واعتبره أولى الأقوال لصحـة إسناده؛ وأن مثله لا يوجـد بالرأي، فلما أخبر أن الآية نزلت في هذا أوجب أن يكون أقوى الأقوال، وأن تكون الآية مخصوصة نزلت في ذلـك، وحكـم أهـل الكتاب كحكمهم أي: (كحكم بني النضير الذين نزلت فيهم الآية)([8]).

 كما نقل صاحب المحلى كتاب الرسول إلى اليمن، جاء فيه «من كره الإسلام من يهودي أو نصراني فإنه لا يحول عن دينه وعليه الجزية»([9]).

 أصحاب الرأي الثالث: ممن قـال عن آيـة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ...﴾ إنها لم تنسخ ولم تكن مخصوصة وهي على عمومها أستاذنا الدكتور وهبه الزحيلي؛ وقد نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية «إذ أن الآثار التي استنـد إليهـا المخصصون ليست قاطعـة الدلالة على التخصيص لأن النص القرآني عام، وإفراد فـرد من العـام بحكم لا يخصصه»([10]). قال ابن تيمية في آية: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ...﴾: «وجمهور السلف على أنها ليست منسوخة ولا مخصوصة إنما النص عام، فلا نكره أحداً على الدين، والقتـال لمن حاربنـا فمن أسلم عصـم مالـه ودمـه، وإن لم يكـن من أهل القتال لا نقتله، ولا يقـدر أحـد قـط أن ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكره أحداً على الإسلام لا متمنعاً ولا مقدوراً عليه، ولا فائدة في إسلام مثل هذا لكن من أسلم قبل منه ظاهر الإسلام»([11]). دل على ذلـك قولـه تعالـى: ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يعني ظهرت الدلائل ووضحت البينات ولم يبقى بعدها إلا طريق القسر والإلجـاء والإكـراه وذلـك غير جائـز([12]). «وبمثـل هـذا قال ابن كثير والطبري والجصاص وأبو حيان ويؤيد ذلك أنهـم ذكـروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار ولكن حكمها عـام. عن ابن عباس قال نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني. كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا استكرههما؟ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية. فأنزل الله فيه ذلك، ثم إن جملة: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ كأنهـا كالعلـة لانتفاء الإكراه في الدين»([13]). وإلى مثل هذا القول يذهب الرازي في تفسيره الكبير فيقول: «إنه تعالى لما بين دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً لمعذرة قال بعد لك: إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل عذر للكافر في الإقامة على كفره إلا أن يقسـر علىالإيمان ويجبر عليه وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: 29]. وقال في سورة أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: 99]. وقال في سورة الشعراء: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾[الشعراء: 3 ـ 4] ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ...﴾([14]).

 نخلص من عرضنا السابـق إلى أن مبـدأ منع الإكـراه في الدين ثابت في الشريعة الإسلامية لم يشذ عنه سلوك المسلمون، بتمثيل المنطلق القرآني الذي يجعل الناس سواسيـة فيما وهب الله؛ ولهم بعد ذلك حرية الاختيار في الأمور العقدية، فلا قسر ولا إكراه ولا نسخ في الآية ولا تخصيص.

 ثالثاً: الجزية: وهـي ما يؤخـذ من أهـل الذمة مقابل الدفاع والحفاظ على حياتهم وأموالهم ومعتقداتهم، فلو كان الإسلام يريد نشر الدعوة بقوة السيف لما قبـل من أهـل أيلـة وأهـل جرباء وأهل أذرح وأهل منياء الجزية. جاء في السيرة «هذا ولم يَرَ صلى الله عليه وسلم بتبوك جيشاً كما كـان قد سمـع؛ فأقام هناك أياماً جاءه في أثنائها يوحنا صاحب أيلة؛ وصحبته أهـل جرباء وأهل أذرح وأهل مِقْنَا فصالح يوحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إعطاء الجزية ولم يسلم. وكتب له الرسول كتاباً هذه صورته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمَنَةٌ من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنا وأهل أيلة:سفنهم وسياراتهم في البر والبحر؛ لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحوز ماله دون نفسه وإنه لطيّب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر»([15]). هذا الانتصار على الروم لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يزهو بالنصر، وكان يحق له ذلك مع الدولة المرهوبة الجانب التي غرست الهلع في قلوب العباد، حتى ظهـر للناس أنها الدولـة التي لا تقهر؛ وخاصة بعد انتصارهم على الفرس واستردادهم الصليب المقدس. إنما قابل النبي صلى الله عليه وسلم المغلوبين من أهل البلاد بسماحة خلق؛ وطلاقة وجه واعتبرهم من رعاياه وجب عليه الحفاظ على ضرورياتهم كما جاء في نص الكتاب، وإسراعـه إلى السلـم والصلح كان تمثلاً لآية: ﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾[الأنفال: 61] والجزيـة لا تعـد «ثمنـا لقـاء إصرارهم على دينهم، وإنما هـي عوض عما يبذله المسلمون من جهد ومشقـة في سبيل حمايتهم»([16]). ولم يكن ذلـك المبلغ الباهظ الذي يجهد دافعه؛ بل هي مبلغ زهيد مقابل ما يبذله المسلمون من زكاة أموالهم للمشاركة في بناء المجتمع وتأدية الخدمات العامة التي تشرف عليها الدولة.

 رابعاً: النهـي عن قتـل الضعفـاء ويتضـح هـذا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأعمال المسلمين من بعده في الفتوحات.

 يقول ابن تيمية «وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة: كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزَّمِن ونحوهم فلا يقتل عند الجمهور. لأن القتال هو لمن يقاتلنـا إذا أردنا إظهـار دين الله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[البقرة: 190]. وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم «أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس فقال: ما كانت هذه لتقاتل. وقال لأحدهم: الحق خالداً فقل له لا تقتلوا الذرية ولا عسيفاً» وفيهـا أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم أنه كـان يقـول: «لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا امرأة...»([17]).

 إن حماية الضعفاء والنهي عن التعرض لهم؛ لتدل على سماحة الإسلام إذا تمكن؛ والعفو إذا قدر؛ ولو أراد أن يفرض معتقده لاستباح دماء الناس دون تفريق كما فعل الصليبيون في حروبهم من تقتيل للأطفال وضرب الضعيف قبل القوي دون تفريق؛ وكما فعلوا في الأندلس.

*  *  *

 



(([1]   نقلا عن كتاب آثار الحرب في الفقه الإسلامي.

(([2]   الإسلام والحضارة: أنور الجندي طبع المكتبة العصرية صيدا ـ بيروت.

(([3]   الحرب والحضارة توينبي: ص 189.

(([4]   العقيدة والشريعة: جولد تسيهر ص 27.

(([5]   دائرة المعارف الإسلامية ج 7 ص 188.

(([6]   هو سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي الحميدي ـ محدث الأندلس وبليغها توفي شهيدا سنة (634ﻫ).

(([7]   أخرجـه البخـاري وأبو داوود وأحمـد وعن أبي هريـرة ـ الجامع الصغير 2 / 112 رقم (5383).

(([8]   راجع هذه الأقوال في ـ الناسخ والمنسوخ ـ للنحاس ص 81 ـ 82 آثار الحرب ص 79 ـ 83 ط (4) أحكام القرآن ص 1 / 452.

(([9]   المحلى لابن حزم: ج 7 ص 348 تحقيق الشيخ أحمد شاكر ط دار الآفاق ـ بيروت.

(([10]   آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ص 81.

(([11]   التفسير الكبير 3 / 319.

(([12]   آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ص 82.

(([13]   المرجع السابق.

(([14]   التفسير الكبير: ج2 ص 319.

(([15]   نور اليقين ـ محمد الخضر بك ص 272 ـ 273 ط ـ دار الإمام الشافعي، بيروت، دمشق.

(([16]   الرسالة الخالدة: ص206.

(([17]   السياسة الشرعية ـ ابن تيمية ص 106 ـ 107 ط دار الكتاب العربي بيروت.

الموضوعات