جاري التحميل

المعاهدة البريطانية الحجازية وخدعة الوحدة العربية

المعاهدة البريطانية الحجازية وخدعة الوحدة العربية

كتبت الكاتبة الفلسطنية (أريج أحمد القططي حول هذا الموضوع في كتابها (فلسطين في مجلة المنار الصادرة في مصر (1898-1940)  ) الصادر عن دار المقتبس في بيروت  سنة (1439هـ - 2018م)

فقالت:

وقد ذكرت مجلة المنار أن ناجي الأصيل([1]) ذهب إلى مكة وأخذ تفويضًا من الشريف حسين ملك الحجـاز بالسعي لدى الإنجليـز بعقد امتيازات في الحجاز مثل استخراج المعادن، ثم سافر منها إلى لندن مارًّا بمصر([2]).

ونقلت المنار أن وكالة روتر([3]) الإنجليزية وجرائد لندن أذاعت في العالم كله نبأ عقد مؤتمر عربي يمثل الشعوب العربية كلها؛ لأجل حل المسألة العربية ووضع أساس الاتحاد العربي، وذكرت المنار أن أعضاء هذا المؤتمر خمسة نفر وصفهم رشيد رضا بأنهم «من صنائع أمراء الحجاز ووسائلهم لدى الإنجليز» وهم:

جعفر باشا العسكري([4]) وناجي بك السويدي([5]) والدكتور ناجي الأصيل وأمين بك التميمي([6]) وإحسان بك الجابر([7])([8]).

ثم أذاعت البرقيات والجرائد الإنجليزية في أقطار العالم أن ناجي الأصيل قد اتفق مع الحكومة البريطانيـة على عقد معاهدة بريطانية عربية تقرر فيها استقلال الممالك العربية([9]).

* رد رشيد رضا على وعود بريطانيا للعرب بالاستقلال:

حاولت الحكومة البريطانية من خلال رجالها في مصر إقناع مثقفي العرب بأنها عزمت على مساندة العرب في مطالبهم للدولة العثمانية بالإصلاح إذا بقيت الدولة العثمانية على الحياد في الحرب، أما إذا وقفت الدولة العثمانية مع ألمانيا فستساعد العرب على الاستقـلال وتكوين دولة عربيـة. ولكن بعد اندلاع الحرب العالميـة الأولى، استدعى البريطانيون السيد رشيد رضا لما له من مكانة لدى الشعوب العربية لإقناعهبأن بريطانيـا عزمت على مساعدة العرب على الاستقلال في جميـع بلادهم، وأنها لا تبغي أخذ شـيء منها، وإذا اضطـرت إلى محاربـة الترك فيها فإنها تترك لهم كل ما تَدخُله منها بعد إخراج الترك منه، وأنهم يحبون أن يعرف العرب هذا ويكونوا مطمئنين آمنين على أنفسهم من جانب البريطانيـين، فلا يتخذونهم أعداء. ولكنه كان واعيًا لدهائهم ومكرهم([10]).

وقد علق على وعودهم قائلًا: ثم أطلعونا على منشور يريدون نشره في البلاد العربية بهذا المعنى، فلم نر عبارته مفيدة ما وعدونا به،  بل هي إيهام محض. واقترح رشيد رضا عليهم أن يصرحوا فيه بالمراد تصريحًا لا يحتمل التأويل، ككونهم يتعهدون باستقلال هذه البلاد إذا ظفروا في الحرب، وبحمل حلفائهم على ذلك، وبعدم أخذ شيء من البلاد العربية، لا باسم الامتلاك، ولا الحماية ولا الاحتلال، وبأنهم يخرجون من البلاد التي دخلوها كالفاو والبصرة، والتي سيدخلونها من بعد بلا شرط([11]).

ويضيف رشيد رضا أن الحكومة البريطانية كانت تريد المساعدة منه للترويج لأفكارها، ولكنه كتب أكثر من مذكرة احتجاجية على تصرفاتهم في البلدان العربية، وأظهر لهم خوف العرب على بلادهم من إنجلترا، واعتقادهم أنها هي خصمهم،وبيان مكان الدولة العثمانية عند المسلمين، وما هم مستهدفون له من عداوة العالم الإسلامي لهم، وفي مقدمته مسلمو الهنـد، وحذرهم بأن المسلمين سيكونون يدًا واحدة عليهم إذا هم استولوا على بلاد العراق وسورية والبلاد المقدسة في الحجاز، وأن محاربتهم للدولة التي يعترف بها المسلمون بأنها دولة الخلافة، ستعزز الاعتقاد بأن بريطانيا تعتزم إزالة الحكم الإسلامي من الأرض([12]).

ويذكر رشيـد رضـا أن غرض هذه المذكرات إقناع الدولة البريطانيـة بأنه لا يمكن لها أن تقنع العالم الإسلامي بأن قتالها للدولة العثمانيـة ليس عدوانًا على الإسلام وسلطانه لأجل تقليص ظله من الأرض، إلا إذا أعطـت العهد والميثاق بالاعتراف باستقلال البلاد العربية التي هي مهد الإسلام، وفيها أماكنه المقدسة([13]).

ويعكس المقال قناعة رشيد رضا باستحالة عودة بريطانيا عن طمعها في العالم العربي، فقال: «خاب سعينا إلى ما سعينا إليه من عهد أو وعد رسمي بذلك، ولم نغتر بالإيهـامات التي كانت تصـدر أحيانًـا من برقيـات روتر وأقوال بعض الجـرائد الإنجليزية بوعد بريطانيا بالعطف على العرب، وما ينتظر من سعادة البلاد العربية إذا تحررت من سلطة الترك، وعلمنا مما دار بيننا وبين رجالهم الذين بمصر، ومن مذاكراتنـا مع السر مارك سايكس، أن القوم ثابتون على طـمعهم في بلادنا، وهو مـا كنا نعلمه قبل الحرب بسنين كثيرة، ونوهنـا به في المنار مرارًا، وكان لهم طمع في مساعدتنا إياهم على إقناع العرب بما أشرنا إليه آنفًا، ولو بكتابة شيء ما في جريدة الكوكب التي أنشئت لأجل هذا الخداع، فخاب أملهم فينا كما خاب أملنا فيهم([14]). 

ويبدو أن العقيدة الإسلامية الراسخة التي كان يحملها رشيد رضا في قلبه، والتي يُعد الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من المشركين أحد قواعدها، كانت السبب الرئيس الذي حفظه من التأثر بالدعاية البريطانية التي كانت قوية، خاصة بعدما تأثر بها كثير من مثقفي وزعماء العرب، وعلى الرغم من أن رشيد رضا لم يكن مؤيدًا لسياسـة العثمانيين في المشرق العربي، بل على العكس كان من زعماء جمعية اللامركزية المنادين بالإصـلاح، إلا أن هذا الموقف لم يحمله على الارتماء في أحضان بريطانيا لمعاداة الدولة العثمانية، وظل يدافع عن قناعاته بأن حرب الحلفاء ضد العثمانيين إنما هي حرب ضد الإسلام لما تمثله الدولة العثمانية من رمزية كونها دولة الخلافة الإسلامية، ولهذا فهو يرى أنه على المسلمين نسيان خلافاتهم الداخليةوالتوحد ضد أعداء الإسلام والمسلمين.

وحرصت المجلة على استعراض جهود رشيد رضا ومحاولاته لإقناع الشريف حسين بالعدول عن اتفاقه مع بريطانيا والثورة ضد الدولة العثمانية، فكتب رشيد رضـا: «ولما ذهبت إلى الحجاز عقب ثورته لأداء فريضـة الحج صـرحت لأمـيره (وملكه اليوم) برأيي وما أعجبني من جعل خروجه وعدائه خاصًّا بالاتحاديين الذي فرقوا الكلمة ونكلوا بالعرب السوريين وغيرهم في الوقت الذي هم أحوج فيه إلى التأليف والاتحاد، وما يجب من اتقاء عداوة الترك وإضعاف الدولة، وحصر السعيفي جمع كلمـة العرب وإيجاد قوة جديدة لهم من السـلاح وغيره، والنهوض بأمر استقلالهم إذا انكسرت الدولة، وحفظ حقوقهم معها إذا هي انتصرت كما يتمنى كل مسلم، وقد ظهر لي منه الموافقة على هذا الرأي، وخطبتي التي ألقيتها أمامه في احتفال العيد العام بمنى، وتصديقه إياي في كل مقاصدها برهان رسمي على ذلك مطبوع في جريدة القبلة([15]) ومجلة المنار»([16]).

كما عرض رشيد رضـا على الشريف حسين أن يتصـالح مع أمراء الجزيرة العربية المنافسين له وأن يخاطبهم للسعي نحو الوحدة، إلا أنه رد عليه قائلًا: «إنه يرى تأخير ذلك إلى أن يستولي على المدينة المنورة لئلا يظن جيرانه أنه يخطب ودهم خوفًا منهم لا سعيًا للمصلحة العامة»، وفشلت كل محاولات رشيد رضا لإقناع الشريف حسين بالتصالح مع باقي أمراء الجزيرة. ثم إن الشريف بعد أن بايعه أهل الحجاز باسـم ملك العرب واعترف له حلفـاؤه من الإنجليز والفرنسيين بملك الحجاز فقط، جاهر بعداوة الدولة العثمانيـة، وعلى هذا يعلق رشيـد رضـا قائلًا: «فخاب أملنا في وقوف ثورته عند الحد الأدنى مما رجوناه منها»([17]).

ويرى رضا أن السبب الذي جرَّأ أمير مكة بالأمس وملك الحجاز اليوم على ما فعل وجعله لا يبالي بالترك ولا بأمراء جزيرة العرب هو الاتفاق الذي عقده مع بريطانيـا قبل الثورة، وأن ثقته بالدولة البريطانية وتقديره لقوتها وعظمتها لا حد لهما ولا سلطان لشيء عليهما، فلهذا لم يكن لأحد إقناعه بغير ما اعتقده([18]).

 



([1])   ناجي الأصيل (1894 ـ 1963): ولد في بغداد، عينه الملك حسين معتمدًا في لندن سنة 1922م، ووقع في أبريل 1923م نيابة عنه مسودة معاهدة، فعدَّل الملك حسين صيغتها وعاد بها الأصيل إلى لندن، فلم يتم التوصل إلى نتيجة، حضر مؤتمر لوزان لعقد الصلح معتركيا بعد إلغاء معاهدة سيفر، عين قنصل عام للعراق في جدة، ثم عمل بعدة وظائف دبلوماسية. صـفوة، نجدة: الجزيرة العربيـة في الوثائق البريطانية، مرجع سابق، ج6، ص73 ـ 74.

([2])    مجلة المنار، مج24، ص428. يونيو 1923م.

([3])   روتر: (رويترز)، وكالة أنباء تأسست في بريطانيا عام 1851م، ثم أصبحت واحدة من خدمات وكالات الأنباء الرائدة في العالم. مقرها الرئيسي في نيويورك، تأسست وكالة بول جوليوس رويتر، وكانت في البداية شركة إخبارية لخدمة البنوك. الموسوعة البريطانية: www. britannica. com.

([4])   جعفر العسكري (1885 ـ 1936م): ولد ببغداد، وتخرج بالمدرسة الحربية في الآستانة، ثم برلين. حارب مع الترك في القصيم سنة 1906م، وأرسل سنة 1915م إلى بنغازي، اعتقله الإنجليز سنة 1916م. ولحق بالأمير فيصل، فجعله كبير مرافقيه. وخرج من دمشق يوم احتلتها فرنسا وعاد إلى بغداد، وتقلد عدة مناصب وزيرا للدفاع سنة 1935م، وقُتل على يد ضباط ثائرين بقيادة بكر صدقي في تلك السنة. الزركلي: الأعلام، ج2، ص129 ـ 130.

([5])   ناجي السويدي: سياسي عراقي، أصبح رئيسًا لوزراء العراق عام 1929 ـ 1930م، وشغل بالتناوب مناصب وزير الخارجية، والمالية، والعدل، كما كان رئيسًا للمؤتمر العربي الأول الذي عقد بلودان بسورية في سبتمبر 1937م. الريس، رباض: شخصيات عربية من التاريخ، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ص100.

([6])   أمين عادل التميمي (1892 ـ 1944م): ولد في نابلس، وتعلم في اسطنبول، وهناك تعرف على أعضاء المنتدى العربي، وجمعية العربيـة الفتاة، التحق بالأمير فيصل في سورية، وبعد احتلال فرنسا لسورية عاد إلى فلسطـين، وكان أحد أعضاء الوفد الفلسطيني إلى لندن سـنة 1923م، ومؤتمر الحلفاء وتركيا في مونتريه، وعضوًا في المجلـسالإسلامي الأعلى، وبعد قمـع الاحتلال الإنجليـزي للثـورة الفلسطينية الكبرى هرب إلى لبنان، ثم العراق واشترك في ثورة رشـيد عالي الكيلاني سنة 1941م، وقبض عليه الإنجليز، ونفـوه إلى معتقل في أفريقيا، وتوفي في معتقلـه. الموسـوعة الفلسطينية، هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق، 1984م، مج1، ص307.

([7])   إحسان الجابري: ولد بحلب سنة 1878م، سياسي عربي سوري، ومارس المحاماة في اسطنبول، وعمل سكرتيرًا للسلاطين العثمانيين، عاد إلى سورية بدعوة من الأمير فيصل، فتولى رئاسة بلدية حلب، ثم عضوًا في مجلس الشورى، اشترك في إعلانالاستقلال سنة 1920م، أُخرج مع فيصل من سورية سنة 1920م، انفك بعدها عنه لقبوله الانتداب في العراق، انتخـب عضوًا في الوفد العربي الدائم في جنيف للدفاع عن القضية وعاد إلى سورية عام 1937م فعين محافظًا للاذقية، وترأس اتحـاد الدول العربية سنة 1958م. الكيالي: موسوعة السياسة، ج1، ص85 ـ 86.

([8])    مجلة المنار، مج24، ص428.

([9])    مجلة المنار، مج24، ص429.

([10])    مجلة المنار، مج22، ص444. يونيو 1921م، مقال «الحقائق الجلية في المسألة العربية مقال للعبرة والتاريخ».

([11])    مجلة المنار، مج22، ص444.

([12])    مجلة المنار، مج22، ص445.

([13])    مجلة المنار، مج22، ص445.

([14])    مجلة المنار، مج22، ص446.

([15])   جريدة القبلة: أسسها الشريف حسين بن علي سنة 1916م بعد الثورة العربية الكبرى لتكون ناطقة باسم مملكته. مروه، أديب: الصحافة العربية نشأتها وتطورها، ص219.

([16])    مجلة المنار، مج22، ص447.

([17])    مجلة المنار، مج22، ص447.

([18])    مجلة المنار، مج22، ص449.

الموضوعات