جاري التحميل

تاريخ فلسطين القديم

تاريخ فلسطين القديم

كتبت الكاتبة الفلسطنية (أريج أحمد القططي حول هذا الموضوع في كتابها (فلسطين في مجلة المنار الصادرة في مصر (1898-1940)  ) الصادر عن دار المقتبس في بيروت  سنة (1439هـ - 2018م)

فقالت:

* أول من سكن فلسطين:

اهتمت مجلة المنار بتاريخ فلسطين القديم، وظهر ذلك في عدة مقالات منها: مقال «بلاد العرب وأحوالها منذ الأعصر الخالية» بقلم الباحث الإيطالي كاتياني([1])، وقد نقلته مجلة المنار عن مجلة الشرق والغرب ونشرته في نوفمبر سنة 1916م، ومقال «سورية عربية» لشكيب أرسلان، الذي نُشر في سبتمبر سنة 1921م.

فكتـب كاتياني أن العرب الكنعانيين هم أول من سكن فلسطين، ومنـهم الفينيقيون سكان السواحل السورية، وكانوا جزءًا من القبائل السامية التي قدمت من الجزيرة العربية في حدود سنة 2500 ق. م([2]).

وذكر شكيب أرسلان أن الكنعانيين سكنوا الشام مثل الآراميين الذين جاءوا بعدهم حوالي سنة 1500ق. م والسريانيين والتدمريين والنبط واليهود، والمقصود بالكنعانيين هم سكان السهول، كما أن الآراميين هم سكان البلاد العالية([3]).

وجاءت مقالة أرسلان في إطار رده على أعداء القومية العربية الذين ينادون بأن بلاد سورية هي بلاد سريانية، قبل مجيء الفتح الإسلامي، أوضح فيها بأن أصل العرب والسريان جميعًا من الشعوب السامية القادمة من الجزيرة العربية، واستشهد على ذلك بما قاله المؤرخ هيرودتس أن قسـمًا من الفينيقيين جاءوا من جهة خليج فارس كما أن العلامـة الإنجليزي بينت أجرى حفريات كثيرة في جزيرة البحريناستنتج منها كون الفينيقيين هم من هناك([4])، وأن قسمًا آخر من الفينيقيين جاءوا من سواحل البحر الأحمر، وعلى كلا الحالين فهم عرب من نفس جزيرة العرب([5]). 

وعند مجيء إبراهيم الخليل عليه السلام إلى الشام كان العرب الكنعانيون في فلسطين والعموريون الكنعانيون في الجنوب، وقد وجد إبراهيم ملكي صادق، الملك الموحد الذي كان نظير إبراهيم يعبد العلي الأعلى، وأدى إليه إبراهيم العشر. وإن العلامة هبرخت مؤلف كتاب الحفريات الأثرية في القرن التاسع عشر يذهب إلى أن ملكي صادق كان عربيًّا([6]).

ونشـر شكيب أرسـلان مقالًا آخـر بعنـوان «تاريـخ حـروف الكتابة» في يوليو سنة 1929م، وضح فيه ان الكنعانيين والفينيقيين أهل حضارة وتجارة، فهم أول من اكتشـف الكتابـة بالأبجديـة، ونشـروها في العالـم، ويقال أن الأبجدية وجدت في اليمن، قبل المسيح بألفي سنة، وأقدم خط عربي وُجد في اليمن، ويقال له المسند، وقد أخذه الفينيقيون وأدخلوا عليه بعض تغييرات، ولعل الذي حمل علماء أوربا على نسبة إيجاد الكتابة إلى الفينيقيين هو كون اليونان أخذوا الكتابة عنهم([7]).

وكان ناقل الكتابة من الفينيقيين إلى اليونان رجلًا اسمه (قدموس) ومعناه (شرقي). فاليونان يعلمون أن الكتابة وصلت إليهم من الشرق، وهم نشروها فيالغرب، وكان اليونان يكتبون نظير الشرقيين من اليمين إلى الشمال، ولم يكتبوا من الشـمال إلى اليمين إلا فيما بعد، ولم يكن عند اليونان بادئ ذي بدء سوى عشرين حرفًا، ثم صاروا يزيدون عليها([8]).

وقد جاءت المقالات السابقة التي تؤكد على عروبة فلسطين منذ القدم، في إطار رد صحيفة المنار على دعاة التفرنج، ومحاولات بعض مؤيدي الاستعمار تزييف حقيقة عروبة بلاد سورية وفلسطين، للاستعانـة بالاستعمار في إزاحة العرب عن الحكم، ومن جهة أخرى، للرد على بعض الكُتَّاب العرب المتفرنجين من استحسان تقليد الترك الكماليين في ما جَنَوا على لغتهم وثقافتهم، وهو كتابة التركية بالحروف اللاتينية([9]).

* تاريخ بني إسرائيل في فلسطين:

يُعد العهد القديم «التوراة المحرفة» مصدرًا أساسيًا لتاريخ فلسطين القديم، لهذا نجد أن بعض المراحل التاريخية قد شوهتها الروايات التاريخية التوراتية بما يخدم أهواء اليهود، فعلى سبيل المثال برز الفلسطِّيون([10]) إلى جانب الإسرائيليين، من دون سواهما، في أعمال المؤرخين والأثريين، وفي المقابل، يغيب عن هذه الأعمال، بدرجات متفاوتة، الدور الذي قام به سكان البلد الأصليون ـ الكنعانيون ـ وكذلك نتائج استقرار القبائل العمورية والأرامية، التي كانت تجوب هضبة شرقي الأردن، وبغياب مصادر أخرى، والجنوح نحو توظيف علم الآثار في خدمة الرواية التوراتية، وبالتالي تغييب القوى الأخرى: الكنعانيين والعمونيين، والمؤابيين، والمدينيين، والأدوميين، تبقى صورة تاريخ فلسطين لهذه الفترة مشوهة([11]).

وبالتالي فإن الإصرار على اعتبار الروايات التاريخية التوراتية مادة تاريخية، لا يعكس فكرًا عالميًا، ولا أمانة فكرية مبدئية، وإنما مفهومًا مغلقًا لفلسفة التاريخ وحركته، فكثير من رواياتها تثير الشكوك في صدقيتها، ليس فقط لأنها غير واقعية، ولغياب أي دليل على مضـمونها، وانعدام أيـة إشارة لهذه الأحداث في المصـادر المصرية أو العراقية القديمة، وإنما أيضًا لتناقضها مع روايات أخرى في التوراة ذاتها، ولوجود خلط في المواقع والأسماء، وهذا يدل على أن هذه الروايات جُمعت بعد فترة زمنية طويلة، ومن مصادر متعددة ومتنوعة، على يد كتبة لا يعرفون تاريخ الفترات السابقة، ولا جغرافيتها السكانية([12]).

كتب رشيد رضا مقالًا بعنوان «مُلك اليهود وهيكلهم ومسيحهم والمسيح الحق»([13])، في يناير سنـة 1930م، وسبب كتابـة هذا المقال تعريف القارئ العربي بخلفيات أطماع اليهود في فلسطين، وذلك بعد أحداث البراق، فقال: «وإنما غرضنا هنا التنبيه لهذه الدسائس اليهودية والأوهام الدينية، وإعلام الإنكليز بأن حكومتهمقد فتحت باب فتنة دينية دنيوية تكون عاقبتهـا شرًّا عليهم... وأنه لا علاج لهذه الفتنة إلا القضاء على هذه المطامع، وقد أعذر من أنذر»([14]).

وبدأ رضـا بتعريف إسرائيل: وهو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام الذي كان يعيش هو وأولاده في فلسطين، ولما مكَّن الله تعالى لولده يوسف في أرض مصر جذبهم إليها، فكثروا فيها حتى صاروا شعبًا كبيرًا، فسامهم الفراعنة في مصر سوء العذاب، حتى أرسل الله تعالى فيهم نبيه موسى عليه السلام، فنجّاهم بما أيده به من الآيات من ظلم آل فرعون، ورباهم في التيه أربعين سنة رأوا فيها من آيات الله ما لم يره غيرهم، وقاسـى موسـى في سياستهم بسبب عنادهم، حتى إن التوراة وصفتهم بالشعب الصلب الغليظ الرقبة([15]).

وكان استذلال الفراعنة لهم قد سلبهم الشجاعة، فجبنوا عن دخول الأرض المقدسة، فقضى التيه على أولئك الجبناء، ونشأ فيه جيل جديد قوي الأبدان والإيمان، فقاتل أهل البلاد المقدسة، فكتب الله له النصر، وكان له هنالك تاريخ مجيد: أنبياء وملهمون، وقضاة وملوك([16]).

ثم دب إليهم الفسـاد فعبدوا الأوثان، وقتلوا الأنبيـاء، فسـلط الله عليهم الأمم القوية فانتقمت منهم أشد الانتقام: هدمت عرشهم وخرَّبت عاصمة ملكهم(أورشليم)([17]) وهدمت بيت الرب المعروف بهيكل سليمان، وسَبَتْ النساء والرجال والأطفال، ثم رحمهم الله تعالى فعطف قلب مَلِك بابل عليهم فأعادهم إلى وطنهم، وأذن لهم بإعادة هيكلهم، حتى إذا ما استمرءوا مرعى النعمة، عادوا إلى طغيانهم وبغيهم، فعاد نزول العقاب الإلهي عليهم، وقضى القضاء الأخير بزوال ملكهم، وتسجيـل الذل الدائم عليـهم قال الله عز وجل: ﴿ َقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤﴾ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ﴿٥﴾ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿٦﴾ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا[الإسراء: 4 ـ 7].

وفسَّر رشـيد رضا الإفسـادتين أنهـم «أفسدوا أولًا بعبادة الأوثان والظلم فسلط عليهم البابليين الوثنيين فجاسوا خلال مملكتهم، وكان ذلك في القرن السابع قبل المسيح، ثم أعاد لهم الكرة وأمدهم بالمال والقوة فأفسـدوا المرة الثانية، فأعاد انتقامه منهم، وهو المراد بوعد الآخرة، ثم عطف عليهم بالرحمة، منذرًا لهم بأنهم إن عادوا إلى الفساد عاد إلى النقمة، فعادوا فسلط الله عليهم الرومان والوثنيين المصريين، فالمسيحيين، فالمسلمين([18]).

كانت أولى تلك النكبات الكبرى نكبة بختنصر ملك بابل في سنة 586 ق. م بعد عصيان اليهود عليه([19])، فحاربهم عدة مرات وأخذ في أول مرة بعضهم أسرى إلى بابل، وفيهم دانيال النبي وفي آخر مرة، سبى أكثر الشعب، وأخذ الملك صدقيًا وسمل عينيه وأرسله إلى بابل، وقتل أولاده وأحرق المدينة المقدسـة وكانت مدة السبي سبعين سنة([20]).

في سنة 536 ق. م أذن كورش (وهو مؤسس المملكة الفارسية) برجوع اليهود من بابل، فشرعوا في بناء الهيكل، وتم بناءه في حكم داريوس([21]) سنة 515 ق. م([22]). 

وبعد 69 سنة من صدور أمر كورش ولد لليهود في بابل رجل صالح يدعى (نحميا)، ولما كبر عُين ساقي الملك أرتحتشستا، ولما بلغه أن سور أورشليم متهدم حزن وتكدر، فأرسـله الملك إلى أورشليم لبناء سورها وعينه حاكمًا عليها في سنة 445 ق. م، وصار عزرا الكاتب يعلمهم شريعة موسى، وحكم نحميا 12 سنة، وبعد ذلك عاد إلى بلاد فارس، وفي مدة غيابه خالف اليهود شريعة الله وتزوجوا بالنساء الوثنيات، ولما رجع إليهم أصلح هذه الأمور، وبقي فيهم مصلحًا إلى أن مات سنة 405 ق. م، وبعد موته لم يعين ملك فارس على أورشليم أحدًا من اليهود؛ فكان الحبر الأعظم يمارس الأمور السياسية والدينية معًا من قبل والي الشام([23]).

وحسنـت حالهـم بعد السبـي، ثم أحسن معاملتـهم الإسكنـدر المقدوني، وتخلصوا من سلطة الفرس، ثم وقعوا بعده تحت سلطان مصر تارة، وسلطان سورية أخرى، ولم يكن المصريون يعرضون لهم بشيء من أمور دينهم؛ ولكن بطليموس الرابع غضب عليهم فأهانهم، ودخل قدس الأقداس في هيكلهم فنجسه سنة 217 ق. م، فدخلوا في حمايـة ملك سوريـة فرارًا من ظلمه، حتى استولى الرومان على البلاد، فظلموهم ظلمًا شديدًا([24]).

ثم ثاروا على الروم في سنة 66م فضيَّق الروم عليهم الخناق، واستولى «تيطس» على أورشليم سنة 70م وتبرها تتبيرًا، وأحرق الهيكل مع المدينة، ولم يُبق من تلك الأبنية الفخمة شيئًا إلا بعض أبراج السور تركها مراصد للجيش الروماني، وذلك بعد حصار خمسة أشهر يقال إنه هلك في أثنائه ألف ألف نفس ومائة ألف نفس، واستـرق الباقي من اليهـود، فهاجـر كثير منهـم إلى إيطاليـا وجرمانيـا من أوربا واستوطنوها، وزال استـقلال اليهود السياسي من الأرض فلم يقم لهم بعد ذلك ملك مستقل، وقطَّعهم الله في أقطار الأرض([25]).

إنما بلغوا ذروة المجد في المُلك على عهد داود وسليمان عليهما السلام، وكانا نبيين مؤيدين بوحي الله، وكان داود عليه السلام رجل حرب فتح مدينة الرب (القدس) ووطد دعائم الملك، وبعد استوائه عليها جمع الذهب والفضة والنحاس وأدوات البناء لأجل بناء بيت للرب تقام فيـه شعائر الدين، فأوحى الله تعالى إليه ـ كما في تاريخهم المقدس ـ بأن بيت عبادته لا يبنيه رجل سفك دماء عباده؛ وإنما الذي يبنيبيته هو ابنه وخليفته سليمان، وكذلك كان([26]).

ويعلّق رشيد رضا بأن الله لا يحب الفساد ولا سفك الدماء ولا يأذن بالقتال لعباده المؤمنين إلا لضـرورة الدفاع عن الحق والعـدل، كما قال في كتابـه العزيز: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ[البـقـرة: 251] وكما قـال في تعليل إذنه لنبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ [الحج: 39 ـ 40].

وكان داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء يوصون بني إسرائيل بإقامة شريعة موسى، ويقيدون كل وعود الرب لهم بالأرض المقدسة والملك فيها ـ وهم غرباء عنها ـ بإقامة هذه الوصايا كلها وينذرونهم فقد كل شيء بإخلالهم بشيء منها وفاقًا لما جاءهم به موسى عليه السلام عن الله تعالى، ومن تلك النذر بعد النذر واللعنات التي تقشعر منها الجلود قوله: (وكما فرح الرب ليحسن إليكم ويكثـركم كذلك يفرح الرب لكم ليفنيـكم ويهلككم فتُستأصـلون من الأرض التـي أنت داخـل إليهـا لتمتلكها. ويبددك الرب في جميع الشعوب من أقصاء الأرض إلى أقصائها)([27]).

وتكررت هذه الوصية والنذر التي علق الرب عليها إطالة أيام شعب إسرائيل في الأرض التي وعدهم إياها أو عدم إطالتها، فهو ـ تعالى عن الظلم والمحاباة ـ لم يهبهم إياها لذواتهم ولا لنسبهم، بل لإقامة الحق والعدل فيها فكانت هبة مشروطة بشرط فسلبت بفقده([28]).

* ليس لليهود حق في فلسطين:

تناولت مجلة المنار مزاعم اليهود بحقهم التاريخي والديني في فلسطين، والتي استندت إلى كتبهم المُحرَّفة، وقامت المجلة بتفنيدها وكشف زيف ادعاءاتهم، ففي الفصل التاسع من سفر الملوك الأول: أن الرب تراءى لسليمان بعد أن أتم بناء بيت الرب (الهيكل) ووعده بأنه إذا سلك كما سلك أبوه داود بسلامة القلب والاستقامة وعمل بجميع الوصـايا؛ فإنه يجعل كرسـي ملكه على إسرائيل إلى الأبد، وأنذره انتقامه منهم إذا كانوا ينقلبون هم أو أبناؤهم ولا يحفظون وصاياه، قال: «فإني أقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إياها، والبيت الذي قدسته لاسمي ـ أي الهيكل ـ أنفيه من أمامـي، ويكون إسرائيل مثلًا وهزأة في جميـع الشعوب. وهذا البيت يكون عبرة»([29]).

ومرت على ذلك القرون، وهم لا يزالون يزعمون أن أرض فلسطين ملك لهم بوعد ربهم، فهم يحفظون وعده وينسون شرطه ولا يحفظون وعيده، فهم لا حق لهم في هذه البلاد لا بنصوص كتبهم ووعد ربهم ولا بعرف سائر الشرائع وقوانين الأمم. ومن أغرب أحوال هذا الشعب أنه استحوذ عليه الغرور والعجب بكتبه وأنبيائه ورسـله حتـى صـار يحتقر جميـع البشر، بل حتـى صـار يرى نفسـه فوق الأنبياء والكتب([30]).

* الأسباب التي أوجبت غضب الله على اليهود:

فصَّل رشيد رضا في الأسباب التي أوجبت غضب الله على اليهود، فقال: إن القوم أَلِفوا الشرك وعبادة الأوثان في مصر فأخرجهم الله تعالى منها ليعبدوه وحده مع نبيه موسى عليه السلام، خرجوا وجاوزوا معه البحر فرارًا من فرعون وقومه بعد أن رأوا من آيات الله ما رأوا ﴿فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ[الأعراف: 138].

ولما ذهب موسى لمناجاة ربه في الجبل، اتخذوا العجل الذهبي وعبدوه، حتى عاد وحرَّقه، ونسفه في اليم نسفًا، ثم إن سلائلهم لما رأوا ما عليه أهل البلاد التي أعطاهم الله إياها ونصرهم على أهلها ليقيموا التوحيد مقام الشرك، أعجبهم عبادتهم للأوثان فعبدوها مثلهم، وبنوا مذابح لصنمهم «بعل»، وبعد أن ضعفت عبادة «بعل»وغيره في زمن صموئيل وداود عليهما السلام، عادت في أيام سليمان، حتى جاء في سفر الملوك الأول (11: 4) أن سليمان نفسه مال وراء الآلهة الغريبة، وكان لنسائهمذابح وثنية خاصة؛ لأنهن كن وثنيات (برأه الله مما قالوا)([31])، ولما انقسمت المملكة بعده إلى مملكتين ـ ليهوذا وإسرائيل ـ كان تاريخهـا جهادًا مستمرًّا بين عبادة الله وعبادة الأصنـام، حتى قيل: إنه لم يكن في زمن إيليا النبي في جميع إسرائيل من لم يسجد لبعل إلا بضعة آلاف!([32]).

ويُستخلص من ذلك أن سنة الله في الأرض تقتضي بأن الأرض لا تكون ملكًا لأمة ملكًا أبديًا، وأن ميراث الأرض مقترن بالاستقامة على دين الله، فإن جحدت أمة بآيات الله وطغت وتجبرت، قصمها الله، واستبدلها بأمة أخرى مستقيمة على دينه، واليهود بعصيانهم لله عز وجل، وافترائهم على أنبياء الله سبحانه وتعالى، وعبادتهم للأصنام، وقتلهم الأنبياء، وتحريفهم في التوراة، قد استوجبوا غضب الله عليهم، وحرمانهم من حق السكنـى في الأرض المقدسـة (أرض فلسطـين) ﴿ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128].

* أرض فلسطين ملك لأمة الإسلام:

تذكر المنار شواهد من كتـب اليهود والنصـارى على أن أرض فلسطين قد أورثها الله عز وجل للمؤمنين الموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد أن غضب على اليهود، فقد علم الله عز وجل أن اليهود لن يستقيموا ولابد أن ينقضوا عهده، فقضى في علمه الأزلي أن يبعث رسولًا من إخوتهم بني إسماعيل بشريعة غير شريعتهم، وأخبرهم بذلك وأوجب عليهم اتباعه حينما يبعث، وقد ظهر عصيانهم في زمن موسى نفسه حتىسماهم «شعبًا صلب الرقبـة» لشدة عنادهم، وأنذرهم بالإبادة إذا عبدوا غير الله وعصوا أوامره، وقد كان ذلك كله فعصوا الله فأبادهم ونسخ دينهم بدين الإسلام، وأعطى أرضهم التي كانوا وعدوا بها إلى الأبد للمسلمين الذين قال فيهم المسيح لليهود: «إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره»([33]) فإن الله تعالى وعد إبراهيم بأن تكون هذه الأرض له ولنسله ملكًا أبديًّا([34])، فوهبها أولًا لإسحاق ولما نزعها من يد نسله ـ لعدم وفائهم بعهد الله ـ أعطاها لبني إسماعيل (العرب) الذين جعلهم الله أمة كبيرة([35])، وبذلك أبقى أرض الموعد في نسل إبراهيم إلى الأبد([36]).

ويضرب رشـيد رضـا أمثـلة بالأقوام السابقـين فيـقول: «أين المصـريون الأقدمون؟ أين الكلدانيون والآشوريون والبابليون؟ أين الرومان والفرس الأولون، أين هنود أمريكا العريقون؟ منهم من اندمج وجوده في وجود آخر أقوى منه، ومنهم من انقرض وجوده فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزًا، سنة الله في التكوين والتمكين»([37]).

* تاريخ المسجد الأقصى المبارك:

وكتب رشيد رضا مقالًا بعنوان «تاريخ الحرم الشريف»، بيَّن فيه أن «للمكان الذي شُيد عليه المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة (تل موريا) منزلة دينية سامية من أقدم أزمنـة التاريخ يقدسها المسلمون والمسيحيـون واليهود حتـى الوثنيون. ويظهر من شكل الساحة التي عليها قبة الصخرة أنها كانت في بداية الأمر بيدرًا لأحداليبوسيين (سكان فلسطـين الأقدمين) وقد بنى فوقها سيدنا داود عليه السلام بعد فتحه البلاد مذبحًا تقدم فيه القرابين لله تعالى»([38]).

وتتبع المراحل التاريخية التي مرت بالمسجد الأقصى هيكل سليمان وهي:

هيكل سليمان: «في سنة 1013 ق. م أمر سيدنا سليمان عليه السلام بإنشاء قصر له حيث المسجد الأقصى، وهيكل فخم حيث قبة الصخرة الشريفة، ولم يكمل البناء إلا بعد وفاته بمدة طويلة، وقد دمره الكلدانيون سنة 588 ق. م»([39]).

ويظهر أن مجلة المنار عندما تذكر هيكل سليمان عليه السلام، فإنها تذكره في سياق أنه مسجد لعبادة الله، فهو تجديد للمسجد الأقصى الذي كان ثاني مسـجد وضع في الأرض بعـد المسـجد الحـرام([40])، فسـليمان  عليه السلامـ كباقي الأنبيـاء ـ كـان نبيـًا مسلمًا، والدليل على ذلك أنه قد أرسـل رسالة إلى ملكة سبأ تحمل دعوة للدخول في دين الله: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: 30 ـ 31]. 

هيكل هيرودس: «وفي السنـة العشرين قبـل الميلاد شرع هيرودس الكبير بتشييـد هيكل فخم وبرج عالٍ (أنطونية)([41]) في المكان نفسه فلم يوفق إلى إتمامه، وبقى إلى سنة 70م إذ دمره جنود الرومانيين حرقًا إبان محاصرة الإمبراطور تيطس بيت المقدس واستيلائه عليها»([42]).

هيكل زون المشترى: وبنى الإمبراطور هادريان سنة 130م مدينة إيلياء وأمر بتشييد زون كبير للمشترى (إله الحرب) اثنا عشري الشكل، كالذي ترى على صورةبعض النقود القديمـة فنصب فيه صنمًا للمشترى وآخر (لديوسقورس) أو صنمًا بتوأمين (كاستور وبلوكس) وأقام تمثالًا لنفسه بالقرب من الصخرة المباركة([43]).

الحرم الشريف: وسنـة 614م اكتسـح الفرس البلاد فخربوا بيت المقدس وقضوا على ما فيها من المعابد والكنائس، لكن جيوش المسلمين لم تلبث أن فتحت بيت المقدس سلمًا سنة 15 هجرية و637م بحضور الخليفة الثاني سيدنا عمر رضي الله عنه. فلما دخلها ذهب تَوًّا إلى مكان الحرم الشريف وأزال ما كان فيه من الأقذار([44]).

* توضيح اللبس بخصوص صخرة بيت المقدس:

ورد سؤال لمجلة المنار من أحد أبناء مدينة طوخ بمصر يستفسر عن طبيعة صخرة بيت المقدس وهل هي مرفوعة في الهواء كما يزعم بعضهم وهل رفْعها كان معجزة للنبي؟

وكان الجواب من الشيخ محمـد رشيد رضـا: إننا قد زرنا المسـجد الأقصى ورأينا الصخرة وعرفنا منشأ الشبهة في أقاويل الناس فيها، على أنها ليست مرفوعة في الهـواء. ذلك أن الداخل في الحرم يرى في صحنـه الفسيـح بناءً مرتفعًا يصـعد إليه بالسلالم وسطـح هذا البناء الواسـع مرصـوف بالبلاط وفيـه قباب أعظمها وأكبرها وأكثرها زخرفًا قبة الصخرة وبالقرب منها قبة يسمونها قبة المعراج يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم عرج منهـا، والصـخرة موضـوعة في قبتها وقد جعلت سقفًا لمغارة صنـاعية تحتها لها باب ينزل إليه بسلم قصـير. فهم يقولون إن الصخرة كانت في الهواء حيث هي الآن، وإن الناس بنوا تحتها هذا البناء ووصلوه بها، وشبهتهم أن الصخرة مرتفعة عن أرض الحرم، التي هي الآن سطح الحرم الأصلي الذي تحت الأرض. وفاتهـم أن رفع الصخـرة من أرض الحرم الذي في الأرض أو سطحـه الذي هـو صحن المسجـد لهذا العهـد متيسر للإنسان ويوجـد له نظـائر في مباني الغابرين والحاضرين([45]).

وفي سؤال آخر يقول: «ما قولكم في الصخرة المقدسة الموجودة ببيت المقدس ببلاد الشام، وفي أي زمن قُدِّست؟ ومن أطلق عليها اسم التقديس؟ وهل هي حقيقة متصلة بالجبل، ومعلقة بين السماء والأرض؟ وما هي الحقيقة فيها؟» رد الشيخ محمد رشيد رضا: «لم يرد في كتاب الله ولا في أحاديث رسوله وصف الصخرة بالمقدسةوإنما وصفت تلك البلاد كلها بالأرض المقدسـة؛ لظهور الأنبياء والمرسلين فيها، وبإرشادهم تتقدس نفوس الناس من الشرك والرذائل. وكانت الصخرة ومازالت قبـلة اليهود، فهـي معظمـة ومعدودة من الآثار الشريفـة؛ لأنها من آثار الأنبياء، وليست متصلة بالجبل ولا واقفة في الجو»([46]).

وقد أوضحت المنار شبهة أخرى بخصوص افتراء بعض الجهال عن وجود أحجار يزعمون أن فيها أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم فيتمسحون بها ويقبلونها كما يقول الجهال في الصـخرة التي في بيت المقدس، وهو باطل لا أصـل له، ومثله أحجار بمصـر ودمشق يزعم أنها أقدام سيدنا موسى عليه السلام، وغيرها من البلدان افتراها الكاذبون، واستخفّوا بعقول العامة؛ وما يروى من حديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وطئ على الصخر أثَّر فيه قدمه، كل ذلك من الكذب المختلق، لم ينقله أحد من أهل العلم([47]).

ويُلاحظ أن بعض الاعتقادات الخاطئة بخصوص الصخرة ما زالت راسخة في أذهان كثير من المسلمين إلى وقتنا هذا، وذلك عائد إلى الموروثات التي توارثتها الأجيال والتي تضـفي قدسيـة وإعجاز للصـخرة المشرفة، وعدم تمكن الأجيال الحالية من رؤية معالم المسجد الأقصى نظرًا للاحتلال الصهيوني البغيض للأقصى منذ عدة عقود.

والصحيح أن الصخرة المشرفة تقع تحت القبة مباشرة، وتتألف من صخرة كبيرة غير منتظمة الشكل جوفها مغارة يعلوها فتحة في سقفها يبلغ نصف قطرها حوالي متر، ويبلغ طول الصخرة من الشمال إلى الجنوب 17.70م، وعرضها من الغرب 13.50م([48]).

* حقيقة الهيكل:

وأكد رشيد رضا أن الهيكل هو المسجد الأقصى، لأنه مكان لعبادة الله تعالى، لهذا فعندمـا أُسرى بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إليه سماه الله عز وجل «المسجد الأقصى»، رغم أنه لم يكن مبنيًا وقتها «فالمسجـد الأقصى كان معروفًا وقد هُدم غير مرة وبُني، وكان يُسمى في حال هدمه وحال بنائه باسم (هيكل سليمان)، يقولون: هُدم الهيكل وبُني الهيكل وبَقِي الهيكل مدة كذا خرابًا. ولو استشكل المعترض تسميته مسجدًا لكان له وجه في الجملة ونقول: إنه أطلق عليه المسجد كما أطلقه على حرم مكة وهو لم يكنيومئذ مسجدًا، وإنما كان بيتًا للأصـنام باعتبار ما كان عليه وما وضع له، فما بنى إبراهيم الكعبة ولا سليمان الهيكل إلا للعبادة الصحيحة»([49]).

وقد ركزت المنار على إظهار قدسية المسجد الأقصى، وإظهار تاريخه المرتبط بالأنبياء والرسالات، فقد كتـب محمـد توفيق صـدقي([50]) مقالًا بعنـوان «القرآن والعلم»([51]) تناول في شقه الثاني مسألة «الإسراء وتاريخ بيت المقدس»، شارحًا قوله تـعـالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[الإسراء: 1].

ويجيب على استفسـار كيف أن هذا البيت «كان خَرَّبَهُ تيطس الروماني سَنَةَ سبعينَ للميـلاد، وأحرقـه بالنار، فلم يكن له وجود في زمـن النبـي صلى الله عليه وسلم إلاَّ آثارًا وأطلالًا؛ فكيف يقول القرآن الشريف: إن النبي أسرى به إليه؟ فيقول: إن المسجد في اللغة: مكان السجود والعبادة، ولا يُشترط فيه أن يكون محاطًا بالبناء، ولا أن تكونسُقفه مرفوعةً على أعمدة، وما كانت مسـاجد العرب في مبدأ الإسلام إلاَّ أمكنةً بسيطةً، وكل مكان يعبدون الله فيه يسمونه مسجدًا لهم، بل سَمَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جميعَ الأرض مسجدًا لِصِحَّةِ العبادة في أي جزء منها؛ فقال: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»([52])، فلا يلزم من قول القرآن: إن النبي أُسْرِيَ به إلى المسجد الأقصى. أنه كان إذ ذاك مبنيًّا مَشِيدًا([53]).

وكان العرب يذهبون إلى أورشليم وغيرها من بلاد الشام، ويعرفون ما كان عليه المسجد الأقصى من الخراب، ومع ذلك لم يسمع من أحد منهم انتقاد على عبارة القرآن الشريف هذه، أو تردد في فهمها؛ وغاية ما سُمِعَ منهم تكذيبه في ذهابه إلى هذاالمسجد بهذه السرعة العجيبة، فالقرآن أطلق هنا المسجد الحرام على مكة، وأطلق المسجدَ الأقصى على أورشليم من باب تسمية الكل بالجزء الذي هو أعظم وأشهر شيء فيه. ولذلك وردَ تسمية الحرم كله بالبيت العتيق كما في قوله تعالى في الذبائح: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ[الحج: 33] ، مع أن الذبح لا يعمل في نفس البيت، وإنما يعمل في (مِنى) بالقرب منه([54]).

ويقول صدقي: «أمّا ما وردَ في بعض الروايات من أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط زمام البُراق في إحدى حلقات بيت المقدس، فالأقرب عندي أن هذه الروايات وأمثالها هي مما وضعه الواضعون بعد تعمير بلاد المسلمين لهذا البيت([55])؛ أي: بعد فتح عمر لبلاد الشـام وإقامـة مسجد مكان الهيـكل (بيت المقـدس) وقد غاب عن هؤلاء الواضعين هذه الحقائق كما هو شأن الكذابين، فلم يعرفوا أن ما يشاهدونه في زمنهم لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم».

ويُعتقد أن تأويل الكاتب غير دقيـق؛ لأن الحديث الشريف الوارد في ربط البراق حديث صحيح، ومن ناحية أخرى فأن تدمير المسجد الأقصى لا يعني أنه دُمِّر تدميرًا كليًا، فمن الممكن بقاء بعض الجدران والأماكن، ومنهـا حائط الذي ربط فيه البراق، فتذكر بعض الكتب التاريخية أن حائط البراق من الجدران القديمة الباقية من المعبد الذي بناه هيرودس سنة 11 ق. م وهو الحجـارة الضـخمة التي بقيت آثارها إلى اليوم([56]).

وفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤﴾ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا[الإسراء: 4 ـ 5]، يقول صدقي: هم بُخْتَنَصَّرُ وقومه الكلدانيون، أما قوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [الإسراء: 6] بأن أرسل عليهم كورش ملك فارس، فدَمَّر مملكتـهم، وفتح بابل، وأنقذ اليهود من أسرهم، وأكرم مثواهم، وأحسن إليهم، وردهم إلى (بلادهم)؛ فصـاروا فيها أعزاء، وسادوا على أعدائهم الذين تركهـم الكلدانيـون فيهـا تحت رعايتهم، فعاد إلى اليهود شيء كبير من مجدهم السابق، ثم عَمَّروا بيت المقدس الذي كان خَرَّبَه بختنصر وأحرقه، وصاروا يقيمون شعائر دينهم فيه كما كانوا يفعلون من قبلُ، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا[الإسراء: 6] فرجعوا من الأسر بأشياء كثيـرة من الذهب والفضـة، وبأمتعة، وبهائم، وتحف، وغيرها كما في سفر عزرا (1: 4 ـ 11).

وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ[الإسراء: 7]، جاءت العقوبة الثانية ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا[الإسراء: 5] ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَأي: بيت المقدس ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا[الإسراء: 7] فدخلـه تيطس الروماني بجيشه، ونهبه وأحرقَ الهيكل ودمَّرَه تدميرًا كما فعل الكلدانيون مِن قبلُ، وتشتت اليهودُ بعد ذلك في العالم([57]).

وإنما قال القرآن: ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مـع أن الداخلين المدمـرين للمسجـد في المرة الثانيـة غيرُ الذين دمروه في المرة الأولى؛ لأن الجامع بينهم شيء واحد، وهو كونهم جميعًا عبادًا لله.

ويُجمل تاريخ القدس قائلًا: إن المسجد الأقصى خُرِّب مرتيْنِ، وذكر لليهود عقوبتين، الأولى: ما أوقعه الكلدانيون بهم سنة 587 ق. م، وبها زال استقلال اليهود، وصاروا خاضعين للكلدانيين، ثم الفرس، ثم اليونان، ثم الرومان، والثانية: ما فعله الرومانيون. وأما الثانية؛ فقد تمت في سنة 70م، وبها تَشَتَّت اليهود في أنحاء العالم([58]). 

ويدحض صدقي فكرة «المسيح المُخِّلص» عند اليهود والنصارى، فيذكر أن اليهود بعد أسرهم إلى بابل كانوا كلَّ يوم ينتظرون الفرج العاجل، وقد كان كورش ملك فارس المخلص الأكبر لهم من ذلك، وكانوا يسمونه مسيح الرب([59]) فلذا كثر الثناء عليه في كتب العهد القديم لإنقاذه إياهم من المحن التي حَلّتْ بهم في بابل، وهذا هو سبب ورود لفظ الخلاص ونحـوه كثيرًا في كُتُب العهد القديم ككتـاب أشعياء وغيره مما صار النصارى يزعمون أنه رموز إلى المسيح عيسى عليه السلام والحقيقة أنه لا علاقةَ لأكثره به، ولكنهم ولعوا وولع مؤلفو العهد الجديد بذلك من قبل حتى إنهم كانوا ينسبون للمسيح عليه السلام من الحوادث ما ينسبون، وَلَمَّا أُصِيبَ اليهود للمرة الثانية بِما أُصيبوا به من الرومانيين صاروا يترقبون مجيء مخلِّص لهم ككورش، وهم إلى الآن ينتظرون ذلك!([60]).

* تاريخ الأنبياء في فلسطين:

كان أنبياء بني إسرائيل ينذرونهم سخط الله عليهم، وعقابه لهم بسبب كفرهم وتركهم لوصاياه، وكذلك كانوا يبشرونهم برفع عذابه عنهم إذا تابوا من ذنبهم، ومما بشروهم به أنه تعالى سيرسل فيهم مسيحًا ملكًا يجمع شملهم، ويعيد لمملكة صهيون مجدهـا، وأنه سيبعث نبيًّا رسولًا من بنـي إخوتهم (أي العرب) كموسى ـ أي صاحب شريعة وسيف ـ يجدد ملة إبراهيم وينصر التوحيد وأهله على الشرك وأهله، فكانوا ينتظرون مسيحًا مبشَّرًا به يعبرون عنه (بالمسيح) معرَّفًا، ونبيًّا مبشرًّابه يتناقلون خبره معرَّفًا أيضًا، وفي آخر نبوة ملاخي آخر أنبيائهم قبل المسيح أن الرب سيرسل إليهـم (إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف) وإيليا عندهم هو إلياس عليه السلام وكان قد خفي عليهم ما آل إليه أمره([61]).

فكان اليهود ينتظـرون إيليا والمسيح والنبي، ففي إنجيل يوحنا أنه لما ظهر يوحنا أي الذي يلقبونه المعمدان (هو يحيى عليه السلام) أرسل إليه اليهود من أورشليم بعض الكهنـة واللاويين ليسألوه من هو؟ فسـألوه: أأنت المسيح؟ قال: لا، أإيليا أنت؟ قال: لا، آلنبي أنت؟ قال: لا، قالوا: أخبرنا من أنت لنجيب الذين أرسلونا؟قال: أنا صوت صارخ في البرية قوموا طريق الرب([62]).

أما إيليا فلم يأتِ؛ ولكن النصـارى يقولون: إن الوعد بمجيئه رمزي وقد حصـل، وأما المسيح فقد ظهر مؤيدًا بالآيات البينـات فكذَّبه أكثرهم وطعنوا في والدته الطاهرة، وحاولوا قتله كما قتلوا زكريا ويحيى من خيار أنبيائهم، فنجاه اللهتعالى منهم واشتبـه أمره عليهم وعلى غيرهم، وكذلك النبي الأعظم (محمد صلى الله عليه وسلم) الذي بشر به أشهر أنبـيائهم وفاقًا لبشـارة التوراة، ومن أوضـحها بشارة إنجيل عيسى عليه السلام في كثير من الآيات والأمثـال التي ظهر مصداقها فيه دون غيره، جاء مؤيدًا بالكتاب العزيز الذي هو آية في نفسه، متضـمنه للآيات الكثـيرة في نظـمه

الموضوعات