جاري التحميل

الطبيعة في الشعر الصقلي

الموضوعات

الطَّبيعة في الشِّعر الصِّقلِّيِّ

كتب الأستاذ الدكتور أسامة اختيار حول هذا الموضوع من كتاب ( جمهرة  أشعار الصقليين تحقيق ودراسة ) الصادر عن دار المقتبس في بيروت سنة ( 1437 هـ - 2016 م )

فقال :

 

 

 

 

 

شعر الطَّبيعة من الأغراض السَّائدة في شعر الصِّقلِّيِّين، وقد أسهمت البيئاتُ المدنيَّةُ المتحضِّرةُ في انتشار هذا الفنِّ الشِّعريِّ ليغدوَ اتِّجاهاً بارزاً له خصوصيَّتُهُ الفنِّيَّةُ والموضوعيَّةُ، ولمعرفة مَبْلَغِ أهميَّة هذا الفنِّ لدى الصِّقلِّيِّين؛ لابدَّ من الوقوف على مظاهر حضور الطَّبيعة في أشعارهم.

*  *  *

أولاً ـ مكانة الطَّبيعة في شعر الوصف الصِّقلِّيِّ:

اهتمَّ الشُّعراء الصِّقلِّيُّون بموضوع الطَّبيعة اهتماماً بالغاً، يُلْحَظُ هذا الاهتمام في المساحة الواسعة الَّتي شغلَتْها الطَّبيعة في أشعارهم، وينضح شعرهم بجمال صقلِّيَّةَ والأنس بما فيها، والمبالغة في وصف محاسنها، ويبدو من أشعارهم أنَّهم كانوا مولعين بفنِّ الوصف عامَّةً، ولاسيَّما وصف الطَّبيعة، حالُهم في ذلك حال الأندلسيِّين، وتروي المصادرُ الأدبيَّةُ، ما كان يجري من اختبارٍ للمقدرة الوصفيَّة للشُّعراء الصِّقلِّيِّين للوقوف على مَبْلَغ مهارتهم في ذلك، وقد رُوِيَ أنَّ البَلَّنُوبيَّ (أبا الحسن) كان في حضرة أميرٍ، فَقُدِّمَتْ بين يديه أطباقٌ فيها وردٌ أحمرُ وأبيضُ، وطُلِبَ إليه أن يصفَها، فقال ارتجالاً([1]):

كأنَّما الوردُ الَّذي نَشْـرُهُ

يعبقُ من طِيبِ معاليكا

 

دماءُ أعدائِكَ مسفوكة

قد قابلَتْ بيضَ أياديكا

 

وقـد أدَّى في هذيـن البيتين الغـرضَ من الوصـف، ووافـقَ فيهما مُقتضى الحال، وجمعَ بين الوصف والمديح لحضـور الوصف بين يدي الأميـر، وامتدحَـهُ بالشَّجاعة والكـرم، واسـتوحى صورَ المدح من سـياق الوصف، فقابلَ بين الدَّم والورد الأحمر، كما قابلَ بين اليد البيضاء والورد الأبيض، وهذا يدلُّ على براعته.

وممَّا رُوِيَ من ذلك في سياق العناية بغرض الوصف عامَّةً ما رواه ابن حمديس بعد مغادرته لصقلِّيَّة، ووفادته على المعتمد بن عبَّاد (ت 488ﻫ)([2]) ومثلُ هذا الخبر يُظْهِرُ مَبْلَغَ اهتمام المُتَلَقِّين منَ النُّقاد بهذا الغرض الشِّـعريِّ، ولعلَّ ذلك يعود إلى الجانـب الوظيفيِّ للخطاب الوصفيِّ، لأنَّـه يقـوم على إبـراز العنصرين الجماليِّ والنَّفسيِّ من الأشياء.

تَبْرُزُ مكانةُ وصف الطَّبيعة في الشِّعر الصِّقلِّيِّ فيما يُلْحَظُ من علاقةٍ بين عناصرها وسائر الأغراض الشِّعريَّة، كاستعارة أوصاف الطَّبيعة في سياق المديح، أو حضور أوصافها في سياق الغزل، ويبدو أنَّ ارتباط الشُّعراء الصِّقلِّيِّين بوطنِهم أكَّدَ مكانةَ شعر الطَّبيعة لديهم، فكانت مَبْعَثَ إلهامِهِمُ الشِّعريِّ، وموضِعَ عنايتِهِم، ومَبْلَغَ افتتانِهِم، ومن نافلة القول تأكيدُ أثرِ جمال صقلِّيَّة في شعر الوصف الصِّقلِّيِّ، وتأكيدُ حضورِها المميَّزِ في أشعار الصِّقلِّيِّين ممزوجاً بِدَفْقٍ وجدانيٍّ عاطفيٍّ، كالَّذي نجده في قول ابن حمديس([3]):

بلدٌ أعارَتْهُ الحمامةُ طَوقَها

وكَساهُ حُلَّةَ ريشِهِ الطَّاووسُ

 

وكأنَّ هاتيكَ الشَّقائقَ قهوةٌ

وكأنَّ ساحاتِ الدِّيارِ كؤوسُ

 

يعبِّرُ الشَّاعر هنا عن احتدام شوقه إلى وطنه من خلال حنينه إلى جمال الطَّبيعة، ويُعَدُّ جمالُ الطَّبيعة في صقلِّيَّة أبرزَ مصادرِ شعر الوصف الصِّقلِّيِّ.

تأتي أهميَّة عنصر الطَّبيعة في شعر الوصف الصِّقلِّيِّ من حضوره الواسع في مشاهد الوصف عامَّةً، ولم يستغن الشُّعراء في رَسْمِهم لتفصيلات الحياة الاجتماعيَّة عن استخدام عناصر الطَّبيعة، كالَّذي يُلْـمَحُ في شعر ابن حمديس من المزج بين جمال الطَّبيعة وذكرياتِ مجالس اللَّهو في صقلِّيَّة، وهذا يؤكِّدُ مكانةَ الطَّبيعة وحضورَها في وجدان الشُّعراء الصِّقلِّيِّين .

يتَّصلُ موضوعُ الطَّبيعة في أشعار الصِّقلِّيِّين بذكرياتهم في الوطن السَّليب، ويتجلَّى في الرَّبط بين شعور الحنين إلى الوطن والتغنِّي بجمال الطَّبيعة، ويُعَدُّ ابن حمديس منَ الشُّعراء المُجيدين الَّذين اهتمُّوا بوصف جمال الطَّبيعة في صقلِّيَّة مع مَزْج ذلك بشعور فَقْدِ الوطن والشَّوق إليه، وإذا كان الشَّاعرُ قد أُخْرِجَ مِنْ جنَّتِهِ الَّتي يحبُّها، فقد بقيَتْ صورتَها تعيش في وجدانه الحيِّ، وظَّلَتْ منبعاً من منابع شعره يُحَدِّثُ بجمالها، ويستحضر ذكرياته فيها([4]):

فإنْ كنْتُ أُخْرِجْتُ مِنْ جنَّةٍ

فإنِّي أُحَدِّثُ أخبارَها

 

ولولا ملوحةُ ماءِ البُكا

حَسِبْتُ دموعيَ أنهارَها

 

يتَّضح أثرُ الثَّقافة الدِّينيَّة في البنية اللُّغويَّة للبيتين السَّابقين، فكأنَّ أهوالَ يوم القيامة تتمثَّل فيما حلَّ بالوطن من نكباتٍ وفي خروج الشَّاعر من جنَّته، ولذلك مضى في وصف ما آلَ إليه حالُ تلكَ الجنَّةِ مستوحياً الجوَّ التَّعبيريَّ مِنْ سورةُ الزَّلزلة([5])، فهو يحدِّثُ أخبارَها، كأنَّما يروعُه ما صار إليه شأنُها، ويقرنُ جمالَ طبيعةِ الوطن بِلَوعةِ الشَّوق إليه، مجسِّداً ذلك في صورتين متقابلتين؛ عذوبةِ أنهار الوطن، وملوحةِ ماء العينين (ولولا ملوحةُ ماءِ البُكا، حسبْتُ دموعيَ أنهارَها) ويَكْثُرُ انبعاث شعر الطَّبيعة لدى ابن حمديس وتشكيله من مخزون ذكرياته في رياض الوطن (صقلِّيَّة) وتبدو الطَّبيعة في شعره تعبيراً عن مكنون الإحساس بالفَقْد.

يمكننا القول إنَّ ابن حمديس قد استمدَّ من مفردات الطَّبيعة في وطنه المفقود عنصراً رئيساً من عناصر المادَّة الشِّعريَّة في وصف الطَّبيعة، ولا ينفصل وصفُه للطَّبيعة في مثل هذه الحالات الوجدانيَّة عن ذكريات الزَّمن الماضي في ربوع رياض وَطَنِهِ([6]):

فللَّهِ عمرٌ مرَّ بي فكأنَّني

بهِ في جنانِ الخُلْدِ قد كنْتُ أحلمُ

 

لياليَ روضُ العيشِ غَضٌّ وماؤُه

نَميرٌ، ومنقوضُ الشَّبيبةِ مُبْرَمُ([7])

 

أضافَ الشُّعورُ بفَقْدِ الوطن إلى موضوع الطَّبيعة في شعر ابن حمديس عنصراً وجدانيّاً امتزجَ بالتَّعبير الجماليِّ عن مفاتنها (كأنَّني به في جِنان الخُلْدِ) (لياليَ روضُ العيش غَضٌّ وماؤه نَميرٌ).

كانت الطَّبيعةُ مادَّةً خصبةً لحديث الشُّعراء عن مباهج الحياة في صقلِّيَّة حين كان العيش فيها رغداً، ولمَّا غادرها الشُّعراء طلباً للأمان بعد أن حلَّتْ بها الفتنُ ظلَّتْ صورةُ الوطن ماثلةً في أذهانهم بمفاتنه كلِّها، غير أنَّالحديث عن جمال الطَّبيعة الصِّقلِّيَّة في بلاد الاغتراب ظلَّ مشحوناً بالأسى، حتَّى إنَّ بعض الشُّعراء الصِّقلِّيِّين لم يجدوا في طبيعة الأندلس وغيرها مكافئاً لطبيعة الوطن الَّذي أحبُّوه، فمن ذلك قول ابن يخلف الصِّقلِّي في حنينه إلى ذكرياته في صقلِّيَّة([8]):

نَعِيمِيَ أَحْلَى بِتِلْكَ الدِّيارِ

رَواحِي إلى لَذَّةٍ وابْتِكارِي([9])

ألا رُبَّ يومٍ لنا بالمُروجِ

بَخِيلِ الضِّياءِ جَوادِ القِطارِ([10])

كأنَّ الشَّقيقَ بها وَجْنَةٌ

بآخرِها لَمْعَةٌ مِنْ عِذارِ([11])

وسَوسَنُها مِثْلُ بِيضِ القِبابِ

بأوساطِها عُمُدٌ مِنْ نُضارِ([12])

ترى النَّرْجِسَ الغَضَّ فوقَ الغُصو

نِ مِثْلَ المَصابيحِ فوقَ المَنارِ

يفاضل الشَّاعر بين نمطين من العيش؛ أحدهما العيش في الوطن، والثَّاني العيش في بلاد الغربة، ليجدَ أنَّ الأوَّلَ أحبُّ إلى نفسِه، ويسترسل في الحديث عن ذكرياتِه الماضيةِ في وطنه، فيصفُ يوماً من أيام لهو الشَّباب في ظلال الطَّبيعة، ويُعنى برصد تفصيلات المشهد الموصوف وجزئيَّاتِه، فيرسم مشهداً بديعاً لذلك المكان، وينثر فيـه لون الخضرة وأصباغَ الزُّهور (المروج، الشَّقيق، السَّوسن، النَّرجس، الغصون) ويعتني بتوزيع المساحة الضَّوئيَّة على المشهد (بخيل الضِّياء، لَمْعَة، بِيض القِباب، عُمُدٌ من نُضار، المصابيح) فيَظْهَرُ المشهدُ الوصفيُّ في الأبيات فيَّاضاً بالحركة نابضاً بالحياة.

نستطيع من خلال دراسة الطَّبيعة في الشِّعر الصِّقلِّيِّ أن نرسم صورةً واضحةَ المعالم لمشاهد الوصف، إذ تتنوَّع تجلِّياتُها في أشعارهم لتشملَ الطَّبيعةَ الحيَّةَ والطَّبيعةَ الجامدةَ، ونبدأ بدراسة البنيةِ التكوينيَّةِ لمشهد الطَّبيعة الحيَّة في أشعارهم.

*  *  *

ثانياً ـ البنية التَّكوينيَّة لمشهد الطَّبيعة الحيَّة:

يجسِّدُ مشهدُ وصف الطَّبيعةِ الحيَّة ميلاً أصيلاً لدى الشُّعراء الصِّقلِّيِّين إلى الافتتان بعناصر الحياة والإقبال عليها، كما يجسِّدُ براعةَ الصِّقلِّيِّين في وصف جمال العنصر الحيِّ في البيئة الصِّقلِّيَّة، وفي الإمكان رصدُ مشهدِ الطَّبيعةِ الحيَّةِ في الشِّعر الصِّقلِّيِّ من خلال دراسة تيارين بارزين؛ هما: الرَّوضيَّاتُ، ومشهدُ الحيوان.

*  *  *

أ ـ الرَّوضيَّات:

يُعنى الشّعر الوصفيُّ الصِّقلِّيُّ بالتَّغنِّي بجمال المظهر النَّباتيِّ في الطَّبيعة، ويُلْحَظُ أنَّ موضوعَ وصفِ النَّبات يغلب بوضوحٍ على موضوع وصف الحيوان، ويعود ذلك إلى الحياة الاجتماعيَّة المدنيَّة المتحضِّرة في صقلِّيَّة، الَّتي طغى عليها عنصرُ النَّبات قياساً إلى عنصر الحيوان، فضلاً عن جمال الطَّبيعةِ الصِّقلِّيَّةِ وغِناها بالرِّياض الَّتي أسهبَ الرَّحالةُ والمؤرِّخون العربُ في الحديث عنها([13]).

يبدو أنَّ العنصرَ الحضاريَّ في المجتمع الصِّقلِّيِّ دفعَ بتيارِ الرَّوضيَّاتِ ليكون على رأس موضوعات وصف الطَّبيعة في شعر الصِّقلِّيِّين، ويرجع ذلك إلى ما كان يكتنف أجواء تلك الرِّياض من مجالسَ تُعْقَدُ للأُنس بجمال الطَّبيعة، إذ يجتمع الأصحاب والخلَّان، ويذكر ابن يخلف الصِّقلِّيُّ وطنَه بعد أن غادره إلى إفريقيَّة، فتثير الذِّكرى في خيالِه صورةَ رياضِه الغَنَّاء، وقد وجد تلك الرِّياضَ أحبَّ إلى نفسه من البوادي، يقول([14]):

وأهاجَنِي بَرْقٌ يَشُوقُ إلى الحِمى

قَلْبَ المَشُوقِ فلا يزالُ يَهِيمُ

حَسُنَتْ بهِ الدُّنيا فكلُّ قَرارَةٍ

روضٌ وكُلُّ صَباً يَهُبُّ نَسِيمُ([15])

تِلْكَ الرِّياضُ المُحْيِيَاتُ نفوسَنا

أنفاسُها، لا الشِّيحُ والقَيصومُ([16])

[سُقياً] لأيَّام الرَّبيعِ وحُسْنِها

لو أنَّ ذاكَ الحُسْنَ كانَ يدومُ([17])

طابَتْ حدائقُها و[رُقْنَ] كأنَّها

جُودي النَّثيرُ ولَفْظيَ المنظومُ([18])

يتجلَّى تأثُّرُ الشُّعراء الصِّقلِّيِّين بالطَّبيعة في العناية برصد تفصيلاتها وتوليدِ معاني الوصف في سلسلة من الصُّور المتوالية الَّتي تغطِّي مساحةَ المشهد الوصفيِّ، كالَّذي يُلْحَظُ في هذه القطعة من شعر البَلَّنُوبيِّ أبي الحسن([19]):

وروضٍ حديقٍ كالشَّبابِ طَرَقْتُهُ

وللنَّجم في أُفْق السَّماءِ رُكودُ

 

ترقرقَ في أحداقِ نَرْجِسِهِ النَّدى

كما اسْتَعْبَرَ العُشَّاقُ وهو جَليدُ([20])

 

وتَفْتَرُّ فيه للأقاحي مباسِمٌ

فَتَخْجَلُ فيه للشَّقيقِ خدودُ

 

وترتجُّ مِنْ فوقِ الغصونِ ثمارُها

كما ارتجَّ مِنْ بانِ الْقُدودِ نُهودُ

 

يَسُلُّ عليها المشْـرِفيَّاتِ جدولٌ

لهُ ثَغَبٌ عَذْبُ الرُّضابِ بَرُودُ([21])

 

وقامَتْ عذارى النَّخْلِ من كلِّ جانبٍ

حواسرَ في لَبَّاتِهِنَّ عُقودُ([22])

 

يرصد الشَّاعر في وصفه لمشهد الرَّوض صورَ (الأُقْحُوان، الشَّقائق، الغصـون المُثْمِـرَة، أشـجار النَّخيل) ويضفي على المشـهد عنصراً وجدانيّاً ذاتيّاً يتجلَّى في الصُّور الغزليَّة الَّتي تَظْهَرُ في تشخيص عناصر الطَّبيعة (أحداق النَّرجس، مباسم الأقاحي، خدود الشَّقيق، عذارى النَّخيل) ويُلْحَظُ أنَّ هذا المشهدَ الوصفيَّ لم يقتصر على استحضار الغزل، بل بالغَ الشَّاعرُ في تغذية الإسقاطاتِ الغزليَّةِ في معرض وصف الطَّبيعة، وفي الإمكان أن نُطْلِقَ على مِثْلِ هذه المشاهد اصطلاحَ الرَّوضيَّات الغزليَّة، وتقوم الرَّوضيَّاتُ الغزليَّةُ على استخدام العنصر الغزليِّ في سياق موضوع وصف الطَّبيعة، ونجد لهذا النَّمط من وصف الطَّبيعة نماذجَ في شعر الصِّقلِّيِّين كثيرة، ولا يخلو بعضُ هذا الوصف من عبثٍ أو مجونٍ، والغريبُ أن تمتدَّ هذه الظَّاهرةُ من شـعر الغـزل الحسِّيِّ إلى شعر الطَّبيعة، كالَّذي ظهر في القطعة الَّتي سبق ذِكْرُها من شعر البَلَّنُوبيِّ (أبي الحسن) في وصف روضةٍ، وذكرَ الشَّاعرُ مِثْلَ ذلك في وصف الكُمَّثْرَى ووصف النَّارنج في أكثر من موضعٍ من شعره([23])، ومِثْلُ ذلك ما نجده في قول ابن حمديس في وصف النَّارنج([24]):

وانظرْ إلى النَّارِنْجِ في الطَّبقِ الَّذي

أبدى تدانيَ وَجْنَةٍ مِنْ وَجْنَةِ

 

ومنَ العجائبِ أن تَضَـرَّمَ بيننا

جمراتُ نارٍ تُجْتَنى من جَنَّةِ

 

ومن قَبيل ذلك ما ذكرَهُ ابن القطَّاع في وصف الرُّمَّان([25])، وما ذكرَهُ في وصف البُسْرِ، وهو النَّخْلُ قبلَ إرطابِه([26]):

انظرْ إلى البُسْـرِ إنَّ صُورَتَهُ

أحسنُ ما صورةٍ رأى الرَّائي

 

كأنَّما شَكْلُهُ لِمُبْصِـرِهِ

أنامِلٌ قُمِّعَتْ بِحِنَّاءِ

 

وبرع الصِّقلِّيُّون في تشخيص الطَّبيعة، فمن شعر ابن حمديس في الرَّوضيَّات الغزليَّة قوله يصف شقائقَ النُّعمان في صورٍ تفيض بالحياة والحركة، وتشعُّ بالجمال والإشراق، فضلاً عن براعة التَّصوير في معرض التَّشخيص([27]):

نظرْتُ إلى حُسْنِ الرِّياض وغيمها

جرى دمعُهُ منهنَّ في أعين الزَّهرِ



 

 

فلم ترَ عيني بينها كشقائقٍ

تُبَلْبِلُها الأرواحُ في القُضُبِ الخُضْـرِ

 

كما مَشَطَتْ غِيدُ القِيانِ شُعورَها

وقامَتْ لِرَقْصٍ في غَلائِلها الحُمْرِ([28])

 

أمَّا تفسيرُ بروز العنصر الغزليِّ في وصف الطَّبيعة فيرتبط بالبيئة الاجتماعيَّة في صقلِّيَّة الَّتي كانت تغصُّ بحياة اللَّهو، ممَّا أسهم في رسوخ تلك الظَّاهرة في شعر الطَّبيعة الصِّقلِّيِّ.

فضلاً عن الرَّوضيَّات الغزليَّة؛ برز في شعر الطَّبيعة نمطٌ آخرُ من الرَّوضيَّات الَّتي صوَّرت الحياةَ الاجتماعيَّةَ في صقلِّيَّة، وتجلَّى هذا النَّمطُ في الرَّوضيَّات الخمريَّة، ويصدر الجوُّ التَّعبيريُّ في هذه الرَّوضيَّات عن أثر الخمر في شـعر وصف الطَّبيعـة، إذ ترتبـط الرَّوضيَّات بذكـر الخمـر، مـع الانصـراف إلى وصف الطَّبيعة والاهتمام بها، كالَّذي نجده من ذِكْرِ الرَّاح في وصف ابن حمديس لروضةٍ، وكأنَّما جمال الطَّبيعة يُغْري الشَّاعرَ بالخمر([29]):

فاشْرَبِ الرَّاحَ ولا تُخْلِ يداً

مِنْ يدِ اللَّهْوِ غُدُوّاً ورَواحْ

 

ثَقِّلِ الرَّاحةَ مِنْ كاساتِها

برَداحٍ مِنْ يدِ الخَودِ الرَّداحْ([30])

 

في حديقٍ غَرَسَ الغيثُ بهِ

عَبَقَ الأرواحِ مَوْشِيَّ البِطاحْ

 

تَعْقلُ الطَّرْفَ أزاهيرٌ بهِ

ثمَّ تعطيهِ أزاهيرَ صِراحْ

 

أَرْضَعَ الغيمُ لِباناً بانَهُ

فَتَرَبَّتْ فيهِ قاماتُ المِلاحْ

كلُّ غُصْنٍ تَعْتَري أعطافَهُ

رِعْدَةُ النَّشْوانِ مِنْ كأس اصْطِباحْ

يكتسـي صِبْغَةَ وَرْسٍ كُلَّما

وَدَّعَتْ في طَرَفِ اليومِ بَراحْ([31])

فكأنَّ التُّربَ مِسْكٌ أَذْفَرٌ

وكأنَّ الطَّلَّ كافورُ رَباحْ([32])

وكأنَّ الرَّوضَ رَشَّتْ زَهْرَهُ

بمياهِ الوَرْدِ أفواهُ الرِّياحْ

 

يُلْحَظُ أنَّ الخمرَ لا تحتلُّ المكانةَ الأبرزَ في النَّصِّ، على الرَّغم من أنَّ القطعةَ بدأت بذِكْرِ الرَّاح وذِكْرِ مجلسِ الشَّراب، وظلَّ موضوعُ وصف الرَّوضة سائداً في البنية التَّكوينيَّة للنَّصِّ الشِّعريِّ، وما موضوعُ الخمرِ فيه سوى جانبٍ من الجوانب الوصفيَّة في دَرْجِ وصف الطَّبيعةِ، وهذا القول لا ينفي أثرَ عنصرِ الخمر في البنية التَّصويريَّة من الرَّوضيَّات، وإنَّما هو لبيانِ أنَّ النَّصَّ لا يستقلُّ بوصف الخمر، وهذا ما يميِّزُ الرَّوضيَّاتِ الخمريَّةَ منَ الخمريَّاتِ الَّتي تُستَخدَمُ فيها عناصرُ الطَّبيعةِ في وصف الخمر.

مثلما اصطبغت الرَّوضيَّاتُ في الشِّعر الصِّقلِّيِّ بصِبْغَتَي الغزل والخمر تأثَّرَتْ أيضاً بأجواء الظُّروف السِّياسيَّة في حياة الصِّقلِّيِّين، فجاءت الرَّوضيَّاتُ مشحونةً بظلال الواقع السِّياسيِّ الصِّقلِّيِّ، و نَلْحَظُ هذا التَّأثُّرَ بوضوحٍ في أشعار الصِّقلِّيِّين في المرحلة النُّورمانيَّة، ولاسيَّما شعر الَّذين غادروا صقلِّيَّة بعد دخول النُّورمان إليها، فحملوا في أفئدتهم حنيناً إلى وَطَنِهِمُ الَّذي وُلِدُوا فيه، أو دَرَجُوا على أرضه، وبذلك غدت الطَّبيعةُ جزءاً منَ الوطن المفقود؛ يقول ابن حمديس ذاكراً وطنَه وقد رأى في بلاد الغربة روضةً مِنْ زَهْرِ النَّيْلُوفَر([33]):

ونَيْلُوفَرٍ أوراقُهُ مُسْتَديرَةٌ

تَفَتَّحَ فيما بينهُنَّ لهُ زَهْرُ([34])

 

كما اعترضَتْ خضرُ التِّراسِ وبينَها

عواملُ أرماحٍ أسنَّتُها حُمْرُ([35])

 

هوَ ابنُ بلادي كاغترابي اغترابُهُ

كلانا عن الأوطانِ أزعجَهُ الدَّهْرُ

 

نجد ظاهرة حضور الأحوال السِّياسيَّة في شعر الطَّبيعة الصِّقلِّيِّ تمثيلاً لجمال الطَّبيعة في صقلِّيَّة، وتجسيداً لقيمة الوطن المنكوب عند الصِّقلِّيِّيين، ومن ناحيةٍ أخرىنجد روضياتٍ امتزجَتْ بنزعةٍ غزليَّةٍ، لكنَّها لم تَعْـدَمْ عنصرَ القلق، فمن ذلك قول عبد الرَّحمن بن أبي العبَّاس الأَطْرابِنْـشيِّ يذكر إحدى رياض صقلِّيَّة، بما اشتملت عليه من أشجارٍ مختلفةٍ كالنَّخل والنَّارنج واللَّيمون([36]):

للَّهِ بَحْرُ النَّخْلَتَينِ وما حَوَى الْـ

ـبَحْرُ المَشِيدُ بهِ المَقامُ الأَعْظَمُ

وَكَأَنَّ ماءَ المَفْرَغَينِ وَصَفْوَهُ

دُرٌّ مُذابٌ والبَسِيطَةُ عَنْدَمُ([37])

وَكَأَنَّ أَغْصانَ الرِّياضِ تَطاوَلَتْ

تَرْنُو إلى سَمَكِ المِياهِ وَتَبْسِمُ

وكأنَّ نارَنْجَ الجَزِيرة إذْ زَهَا

نارٌ على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ تُضْـرَمُ([38])

وكأنَّما اللَّيمُونُ صُفْرَةُ عاشِقٍ

قَدْ باتَ مِنْ أَلَمِ النَّوى يَتَأَلَّمُ

والنَّخْلَتانِ كَعاشِقَينِ اسْتَخْلَصا

حذرَ العِدَى حِصْناً مَنِيعاً مِنْهُمُ([39])

أَوْ رِيْبَة عَلِقَتْهُما فَتَطاوَلا

يَسْتَمْحِيانِ ظُنُونَ مَنْ يَتَوَهَّمُ([40])

يا نَخْلَتَيْ بَحْرَيْ بَلَرْمَ سُقِيْتُما

صَوْبَ الحَيا بتَواصُلٍ لا يُصْـرَمُ([41])

تظهر في المقطوعتين السَّابقتين ظلالُ الظُّروفِ السِّياسيَّة في العصر النُّورمانيِّ، إذ يَصْدُرُ الحقلُ الدِّلاليُّ للمعجم اللُّغويِّ في مقطوعة ابن حمديس عن تلك الظِّلالِ الإيحائيَّـةِ لواقِعَـي الحـربِ والغُـربةِ (خضرُ التِّراس، عوامـلُ الأرمـاح، الأسنَّة، الاغتراب، الأوطان) ويبدو إيحاءُ الظُّروفِ السِّياسيَّةِ في شـعر عبد الرَّحمن بن أبي العبَّاس الأَطْرابِنْشيِّ أقلَّ وضوحاً، فالقطعةُ السَّابقةُ من شعره أقربُ إلى الرَّوضيَّات الغزليَّة، غيرَ أنَّها لا تخلو من التَّأثُّر بالظُّروف السِّياسيَّة في صقلِّيَّة، ويبدو ذلك فيما توحيه صورتا العَدُوِّ والحِصْنِ في سـياق الغزل، كما أنَّها تفيضُ بالتَّشخيص الفنِّيِّ في صورة النَّخلتين، ويحمل هذا التَّشخيصُ عبءَ دلالةِ التَّعبيرِ عن شوق الشَّاعر إلى ذكريات الشَّباب في الوطن السَّليب.

لا تخلو الرَّوضيَّاتُ الصقلِّيَّةُ أيضاً من صور الحيوان المصاحبةِ لمشهدِ الطَّبيعةِ، ويغلبُ أن يكون الحيوانُ المصاحبُ للرَّوضيَّات منَ الطُّيور ممَّا يُناسِبُ الموصوفَ ويلائمُ موضوعَه، وقد يأتي ذِكْرُ الطَّير عَرَضاً في دَرْجِ تشبيه النَّبات بالحيوان، كقول الشَّاعر ابن مَنْكود في وصف النَّيْلُوفَرِ وقد شبَّهَ زهرَهُ الدَّقيقَ الجميلَ بألسنةِ العصافير([42]):

كؤوسٌ من يواقيتٍ

تَفَتَّحُ عَنْ دنانيرِ

 

وفي جنباتِها زَهْرٌ

كألسنةِ العصافيرِ

 

يكون الطَّيرُ غالباً عنصراً من عناصر مشهد وصف الرَّوضة، فمن ذلك قول ابن بِشْرون([43]):

فقدِ اكتسَتْ جَنَّاتُها

مِنْ نَبْتِها حُلَلاً بهيَّهْ

 

غطَّى عبيرَ تُرابِها

بمُدَبَّجَاتٍ سُنْدُسِيَّهْ

 

يُهْدي إليكَ نسيمُها

أفواهَ طيبٍ عنبَريَّهْ

 

واسْتَوسَقَتْ أشجارُها

بأطايبِ [الثَّمَرِ] الجَنيَّهْ([44])

وتجاوَبَتْ أطيارُها

في الصُّبحِ دَأْباً والعَشِيَّهْ

ونحو ذلك قول ابن حمديس يذكر هديلَ الحمام في وصف إحدى الرِّياض، ونَلْحَظُ فيـه الاستخدامَ الجزئيَّ لعنصـر الطَّيـر في بناء مشـهد الرَّوضيَّات، ويأتي ذلك في صورٍ حِسِّيَّةٍ بديعةٍ يُستعار بعضُها من أجواء الغزل([45]):

في روضةٍ غنَّاءَ غَنَّتْ بها

في قُضُبِ الأوراقِ وُرْقٌ فِصاحْ

 

لا يعرفُ النَّاظرُ أغصانَها

إذا تَثَنَّتْ مِنْ قُدودِ المِلاحْ

 

كأنَّ مفتوتَ عبيرٍ بها

مُطَيَّبٍ منه هُبوبُ الرِّياحْ

 

يُلْحَـظُ أنَّ الوصفيَّاتِ الرَّوضيَّـةَ تجسِّـدُ صـورةَ المجتمـعِ المتحضِّرالمترف، كالَّذي يشفُّ عنه الحقلُ الدِّلاليُّ للمعجم اللُّغويِّ المُسْتَخْدَمِ في مقطوعة ابن منكود (كؤوسٌ من يواقيت، تَفَتَّحُ عن دنانير) وفي مقطوعة ابن بِشْـرون (عبير ترابها، مُدَبَّجَات سُنْدُسِيَّة، أفواه طيبٍ عنبريَّةٍ) وفي مقطوعة ابن حمديس (مفتوت العبير).

وإذا كان الغالبُ على الرَّوضيَّات الصقلِّيَّة أن يكون حيوانُها من الطَّير؛ فإنَّ ثمَّةَ نصوصاً شعريَّةً تشير إلى بعض الحيوانات الَّتي كانت تُرَبَّى في حدائق القصور، ويقوم على خدمتها مَنْ يرعاها، فمن ذلك تربيةُ الأُسودِ والأسماك([46])، والملاحَظ ُأنَّ وصفَها في سياق الرَّوضيَّة يأتي عَرَضاً في حين يستقلُّ مشهدُ الطَّبيعةِ في النَّصِّ بوصف الرَّوضة، إذ تبدو صورةُ الحيوانِ في مشهد الرَّوضة منَ المتمِّمَاتِ الموضوعيَّةِ للمشهد الوصفيِّ الرَّئيس، وهذا يفسحُ المجالَ للبحث في مشهد وصف الحيوان في الشِّعر الصِّقلِّيِّ، وذلك للوقوف على المساحة الأدبيَّة الَّتي يشغلُها هذا الموضوع في أشعارهم.

ب ـ مشهد الحيوان:

إنَّ ما وصل إلينا من مشاهد وصف الحيوان في الشِّعر الصِّقلِّيِّ لا يعدُّ شيئاً مذكوراً إذا قِيسَ بمشاهدِ الرَّوضيَّاتِ، وما حفظَتْهُ المصادرُ مما استقلَّ بوصف الحيوان من شعر الصِّقلِّيِّين قليلٌ، وقد يكون ضياعُ كثيرٍ منَ الشِّعر الصِّقلِّيِّ سبباً في ذلك، كما لا يُسْتَبْعدُ مع هذه النُّدرةِ المُفْرِطَةِ أن يكون الصِّقلِّيُّون مُقِلِّينَ في هذا المضمار، ولاسيَّما أنَّ المصادرَ نقلَتْ لنا من موضوعات شعرهم في وصف النَّبات ما يدلُّ على الاهتمام بهذا الموضوع.

وممَّا يؤكِّدُ ما سبقَ ذِكْرُهُ من قلَّةِ إنتاجِ الشُّعراءِ الصِّقلِّيِّين في وصف الحيوان أنَّ القارئ في ديوان البَلَّنُوبيِّ (أبي الحسن) لا يقف على شعرٍ له في وصف الحيوان، في حين تكثر في شعره الموضوعاتُ الوصفيَّةُ الأخرى.

إنَّ أغلبَ ما وردَ مِنْ ذِكْرِ الحيوان في شعر الصِّقلِّيِّين هو في غيرِ مَعْرِض وصفِهِ، وإنَّما في سياق أغراضٍ شعريَّةٍ أُخرى، فمن ذلك ما نجده من صور الحيوان في شعر أبي الضَّوء سراج بن أحمد، كوصف الخيل والحَمام في سياق غرض الرِّثاء، إذ تؤدي صورةُ الحيوان غرضَ الحنين في مضمون الرِّثاء([47]):

وعادَ صهيلُ الخيلِ في لَهَواتِها

حنيناً وعافَتْهُنَّ لُجْمٌ وأَرْسانُ

 

وما ناحَ وُرْقُ الأَيْكِ إلَّا لهُ فَلَو

دَرَتْ لَبَكَتْ قَبْلَ الحَمائمِ أغصانُ

 

ونحو ذلك ذِكْرُ الحيوان في غرض المديح، كوصفِ طَمَعِ سباعِ الطَّيرِ في كرم الممدوح في شعر جعفر بن الطيِّبِ الكلبيِّ([48])، وثمَّة مشهدٌ وصفيٌّ لا يخلو من البراعة الأدبيَّة نجده في إحدى مدائح ابن الخيَّاط يتناول فيه وصفاً تفصيليّاً لمشهد الحرب، لكنَّه يذكرُ في دَرْجِ ذلك الخيلَ، وتنصرفُ أبياتُ وصف الخيل في ذلك المشهدِ إلى العناية بما يسودُ أرضَ المعركةِ من اضطرابٍ وجَلَبَةٍ تشارك فيهما الخيولُ في الصَّولات والجولات([49]):

ومَداعِسٌ للخيلِ يَرْمَحُ وَسْطَها

مِنْ غيرِ فارسِهِ طِمِرٌّ مُسْـرَجُ([50])

 

عَقْرَى وسالمةً، تَعاثَرُ في القَنا

أَلعَسْجَدِيُّ، وذو الخِمارِ، وأَعْوَجُ([51])

 

في موطنٍ سَلَبَ الحليمَ وقارَهُ

فكأنَّما هو مُسْتَطارٌ أَهْوَجُ

 

تُعنى هذه الأبياتُ بوصف فعلِ الخيل في رحى الحربِ، ولا تُعنى بوصفِ الخيل خاصَّةً، كما أنَّ الشَّاعر يميل فيها إلى استعراض معرفتِهِ بأنواع الخيل من دون وصفِها، فهو يذكر من الخيل: العَسْجَديَّ وذا الخِمار والأعوجَ، دونما عنايةٍ بتفصيـل الوصـفِ أو إبـرازٍ للموصـوف، وكأنَّمـا الغايةُ تنحصرُ في سَرْدِ أسماء الخيل، وهذا يشير إلى أنَّ الشَّاعرَ لم يُعنَ في هذا المشهدِ برصدِ وصفِ الخيل، وانحصر اهتمامُه برصدِ حالاتِ الفوضى والذُّعرِ والاضطرابِ التي تسودُ ساحةَ الحربِ.

وممَّا وردَ من ذِكْرِ الخيل في سياق المديح ما نجده في شعر ابن الطُّوبيِّ (أبي الحسن) في وصفه لِمَا أعَدَّهُ ممدوحُه للحربِ من عُدَدٍ، فيذكر الخيلَ مِنْ بين ذلك، ويصفُها في بيت واحدٍ وحسب، من غير تفصيلٍ([52]):

وسابحاً لا تَرُوْعُ الأرضَ أَرْبَعُهُ

كأنَّهُ ناقدٌ مالاً قَدِ انْتُقِدا

 

وصفَ الشَّاعرُ الخيلَ بأنَّهُ لا يُفْزِعُ الأرضَ، إذ لا يكـاد يلامسُـها لسرعتِهِ، ونَفْيُ الرَّوعِ هنا يخالفُ مقتضى الحال في فَزْعَةِ الحربِ وإنْ أراد أنَّ الخيلَ لا تكادُ قوائمُه تقعُ على الأرض إلَّا قليلاً، وقد شبَّهَ سـرعةَ حركـةِ قوائمِ الفـرس بسرعةِ يَدَي النَّاقد وهو يَعُدُّ النَّقْدَ، وجاءت صورةُ الخيل غير مستقلَّةٍ بغرض الوصف، ولا ينطبق ما سبق ذِكْرُه على صورة الخيل وحدها، بل نجد مِثْلَ ذلك في وصف الطَّاووس في دَرْجِ غرض الغزل من شـعر البَلَّنُوبيِّ (أبي محمَّد)([53]) وهذا كلُّـه ممَّا لا يستقلُّ بوصف الحيوان، فيأتي ذِكْرُ الحيوان في سياق غرضٍ شعريٍّ آخرَ لأداء دلالاتٍ وظيفيَّةٍ ليس لوصف الحيوان فيها أثرٌ رئيسٌ.

تُفْضِي هذه المناقشةُ إلى أنَّ أكثرَ ذِكْرِ الحيوان في الشِّعر الصِّقلِّيِّ يأتي غيرَ مستقلٍّ بالوصف، ولا يُستثنى من ذلك كلِّه سوى شعر ابن حمديس الَّذي نجد فيه نماذجَ جيِّدةً لوصف الحيوان في غرضٍ خاصٍّ بهذا الموضوع، وباستثناء شعره يمكنني القول إنَّ مشهد وصف الحيوان في الشِّعر الصِّقلِّيِّ غائبٌ.

ذكرْتُ أنَّ ابنَ حمديس خاصَّةً كانت له عنايةٌ بمشهد وصف الحيوان من دون غيره من الشُّعراء الصِّقلِّيِّين، وبرزت هذه العناية من جانبين اثنين؛ أولهما: جانب الكثرة، ونعني بها الحضور الواسع لوصف الحيوان في ديوانه، وثانيهما: جانب البراعة في ذلك.

لمناقشة هذه القضيَّة في شعر ابن حمديس بإيجازٍ نقف عند بعض مشاهد وصف الحيوان في ديوانه، وثمَّة أسئلةٌ مهمَّةٌ لابدَّ من البحث عن إجاباتها في هذا الصَّدَدِ، وذلك لمعرفة الْقَصْدِ من تلك البراعة الَّتي وَصَفْنا بها صورةَ الحيوان في شعره، ونلخِّصُ هذه الأسئلةَ فيما يأتي:

ـ ما أبرزُ مشاهدِ وصف الحيوان في شعر ابن حمديس؟

ـ كيف تناولَ ابنُ حمديس صورةَ الحيوان في شعره الوصفيِّ؟

ـ ما المؤثِّراتُ الاجتماعيَّةُ والذَّاتيةُ في ذلك؟

يُعَدُّ مشهدُ الخيلِ أبرزَ مشاهدِ وصفِ الحيوان في شعر ابن حمديس، من حيث الكثرةُ والتنوُّعُ، وتسودُ صفتا اللَّون والسُّرعة في وصفِهِ للخيل في ديوانه، وفي الإمكان رصدُ الصِّفةِ السَّائدةِ في مشهد وصف الخيل في مقطوعاتٍ من ديوانه تبيِّنُ للقارئ البنيةَ الصُّوريَّةَ للخيل من حيث الإبداعُ والنَّمطيَّةُ، وأقصد من (مفهوم الإبداع) الصُّورةَ المبتكرةَ في سياق وصف الخيل، على النَّحو الَّذي يدفعنا إلى أن نَشْهَدَ لابن حمديس بالسَّبق في وَصْفِها، وأقصدُ من (مفهوم النَّمطيَّة) استعانـةَ ابن حمديس بالنَّمط الوصفيِّ المَشْـرِقيِّ، تبعاً لشروط الوصف المعهودة لدى المشرقيِّين في مَعْرِضِ ذِكْرِهِمْ للخيل في أشعارهم([54]):

الدِّيوان

الصِّفة السَّائدة

الصُّورة الإبداعيَّة

الصُّورة النَّمطيَّة

(ص11)

السُّرعة

 

(حواسُّه في عُرقوبه)

(كالماء فُضَّ الخِتْمُ عن أنبوبه)

(يشتكي ضيقَ الأرض)

(بقديم سَبْقٍ يستقلُّ ببعضه)

(جرى ففات البرق)

الموضوعات